مقاومة

مقاومة

ريما إبراهيم حمود

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار

صاح بنا جميعا:

  • إلى البئر.. إلى البئر.

اعترضت مذعورة:

  • البئر!.. أمجنون أنت سنغـ..

صفعني فتطاير الدم من أنفي، سمعت صوت انكسار أنفي، تجمدّ الجميع ذعرا أمام قسوته، ارتعد الصغار ملتفين حولي.

 تركنا وخرج متأبطا بندقية الصيد القديمة، مثبتا في بنطاله سكين المطبخ الكبيرة. 

صرختُ بهم: 

  • إلى البئر.

بدأ الصغار بالبكاء، تمسكوا بذيل ثوبي وثوب أختي، حتى باب البئر الذي يقع تحت الدرج المؤدي إلى السطح.

أنزلت أختي أولا في البئر، تلقفت من يدي الصغار، صرخ أحدهم: 

  • ماء.. أمي.. ماء.

 لطمته أختي فتوقف عن الصراخ، و لكن نحيبه المكتوم كان يحدث صدى مقلقا يرتد عن جدران البئر إلينا. 

نزلت إلى البئر، ناديته، أقفلَ باب البئر علينا تاركا الكوة الصغيرة في الباب الحديدي نصف مفتوحة، حذر الصغار من أن يصدروا أي صوت. 

 التصقنا جميعا بجدران البئر اللزجة، الماء يصل إلى ركبتي، و يغمر الصغار إلى الخصر و أكثر. 

قفزت الصغيرة مذعورة محدثة ضوضاء رهيبة في الماء:

  • شيء ما يمشي عليّ.. أمييييي. 

سحبتُها من ثوبها بعنف، كممتُ فمها: 

  • اخرسي، لا أريد أن أسمع لك صوتا. 

تكوَّرتْ تحت ذراعي مبتلةً مذعورةً، تحاول ألا تلصق ظهرها بجدران البئر، جلستُ في الماء و أختي، يغمر الماء حجرينا، أجلست صغيري في حجري البارد، مكممة أفواههم، كنت أسمع أختي تنهر بغضب أطفالها لتسكته، العتمة ترعبهم و الخوف يقتات أرواحنا جميعا. 

سحب باب البئر.. أطلّ علينا، حذرنا للمرة الثانية:

  • لقد اقتربوا. 

 كنا ندرك ذلك منذ الصباح الباكر حين بدأ قصف المدفعيات و صوت الرصاص يخترق كل حواسنا، لكن أصوات القصف علت أكثر فأكثر، و هدير دبابتهم يأكل الأرض تحتنا.

يغفو الصغار مرتعدين بردا في حجري، بكائي الصامت الذي أخفته العتمة لم يتوقف منذ صَفْعَتِه التي كسرت أنفي.

 أفكر في خافض الحرارة، في الماء البارد الذي سأغسل وجهيهما به حين يمرضان بعد خروجنا من البئر، أنقمُ عليه لأنه رفض تنظيف البئر قبل بداية الشتاء، أشتمهم كلهم ( القتلة).. محاولة بين حين و آخر رفع صغيري من الماء إلى كتفي.

أظل منتبهة قلقة، أهمس لأختي:

  • ماذا حصل ؟ 
  • لا أدري.. هششش.

 بوابة البيت الحديدية تزعق محذرة.. رشاش يخترق كل شيء أمامه، شتائم تصل إلى سمعي، أكتم أنفاسي، يضطرب الماء تحتنا حين ينفجر صوت في المكان، يفزع صغيري لكني أكمم أفواههما أكثر، أبتلع و أختي صرخة، يتقدمون، يقفون على الدرج فوقنا، أسمعهم:

  • لا أحد سواه.
  • و النساء و الأطفال ؟
  • لا أثر لهم. 
  • أولاد الكلب..ابحثوا جيدا.
  • لا يهم أنسفوا البيت بأكمله، أحرقوه. 

ينزاح باب البئر الحديدي، نلتصق بالحائط مبتعدين عن مصدر الضوء الخافت، يمد أحدهم رأسه، يزعق:

  • لا أحد.

 يترك باب البئر مشرعا.. يخرجون، أَشْتَمُّ رائحة حريق، الإسفنج المشتعل، أسمع طقطقة الخشب، انفجار النوافذ، أخاف الخروج لأجدهم، أناديه فلا يأتي، أهزّ رأسي لأنفض فكرة أنه قتل.. لكنها تعاودني.

 الصغار نائمون، أختي نائمة، أما أنا فأقاوم النعاس، أسعل بحدّة ولا يسعلون، هدوؤهم الغريب يريحني، أغسل وجهي، أريد أن أنام، لكنني سأغرقُ و الصغار، سيقتلنا الدخان، أقاوم النوم، أقاو.. النو.. أقا.. المـ.. أ..م.. وت.. أ.. ت.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.