طفولة وطن

طفولة وطن

محمد عطية محمود

اللوحة: الطفل الفلسطيني محمد قريقع (١٣ عاماً) – غزة

“إهداء إلى الطفلة التي تسربلت برمز الأرض”

 
على جسدك الرقيق، تتحملين همَّا ناءت به الجبال، وتباعدت عنه الهمم، وتناءى خلفه تاريخ عريض، وصار كالذكرى المتضمخة بعطر تنكره الأنوف، وتعافه القلوب، وتهرب منه العيون المنكسرة، المخذولة بفعل آلاف الغمامات، وكمامات تحجب – إيهاما –  كوابيس الغاز الخانق، والتراب الصاعد من أرض وطن يئن تحت نير البطش والعنفوان الغادر، والصمت السادر في الغي، بعيدا عن وطيس القهر، وعزيف الرياح، وغول الظلام الجاثم على وطن حقيقي بلا مدد، بلا عون، بلا روح تدفع وتساند، بلا أيد ممتدة، وإن كانت تلوح على البعد بالأمنيات والتمنيات المستحيلة..
من رأسك المضيء، والذهب الساطع الذي يتوجه، وتضمه بقوة قطعة من نسيج رمز الوطن تشتعل بالعقل الغض.. تزكي فيه حب الوطن؛ فتنطلق منك النظرة البريئة حاملة لواءا غيبيا، يحلق في سماء الوطن المنقوش على الجبين والقلب، والعقل المدرك – برغم لا وعيه – بأن هناك وطن، وبأن هناك زمن تسطع فيه شمس العناد والكفاح، محفوفة بأمل وعزم يشقان كبد الحقيقة وكبد الظلام لتنطلق هذي العيون الصافية حتما، في يوم لناظره قريب، في سماء وطن، كان بلا سماء، وعاش بلا سماء، وغاص في تضاعيف غمامة سوداء.. وبك، وبها، وبه وبحق طفولة اليوم البريئة، فتوة الغد المرجوة والصاعدة، وبك وبهم، حتما سوف تصير له سماء صافية تشهد بالبقاء، تنشق منها شمس جديدة قادرة على التجلي والسطوع، تفيض بالدفء الحميم، وتشعل جذوة النضال والأمل. 
على يدك الرقيقة الضئيلة منقوشة قلادة ليست ككل القلادات، ووشم ليس ككل الوشوم، وعبق سار يحمل ضمير الحرية الرابض في قلبك الصغير، قلب الأمل، والنور المخبوء، تلك اليد التي تعتمدين بها على قطعة من شجرة من أرض الوطن أو وتد، ربما كان وتد عز، ومتكأ.. ربما كان منطلقا لحراب سوف تغمد في قلب معتد غاشم، لم تفلح معه كل السبل.
صغيرتي الصاعدة بإباء وشمم بأنفك نحو سماء للحرية والنصر، والغارقة في حلم الطفولة التي يعيشها وطن يرتدي ثوبا جديدا يتمرغ به في حلم الحرية، ويستنشق عبق الحرية.. ربما كانت طفولتك هي الآن طفولة وطن يسعى بصلابة ورهافة أحلامك، إلى أن يكون فعلا وطنا آمنا محفوفا بسلام ودفء وطمأنينة، حتما سوف تنبت آماله وتزهر من عند براءة عينيك، وصفاء قلبك، وعناد نظراتك المجبولة على حب الوطن.. نحو أفق لا تعيقه غمامات القمع، ولا أنواء القهر.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.