الرداء الأسود

الرداء الأسود

نبيلة غنيم 

اللوحة: الفنان الألماني إرنست لودفيغ كيرشنر

بينما كنت أتجول في “السوبر ماركت الكبير” إذا بيد تلف خصري من الخلف.. نظرت بطرف عيني لأتبين الأمر فإذا بيد ترتدى قفازاً أسوداً تطوقني وتضمني بشدة اقشعر لها جسدي، انتابني شعور بالقلق والخوف. أشياء كثيرة دارت برأسي في لحظة خاطفة، فقد كان لي في طفولتي ما يرعبني من هذا المنظر، فأنا لدى “فوبيا” الأشياء المجهولة.. خاصة أن اللون الأسود يرتبط عندي بالأموات والأشباح.

ساءلتُ نفسي: لماذا التخفي؟.. ولماذا نختار لون الأشباح والظُلمة؟؟ كل هذا دار قبل أن التفت لصاحبة اليد التى لم أتبين منها أية ملامح لأتعرف علي صاحبتها، تجمد جسدي للحظات.. مفتوحة العينين على اتساعهما.. 

سمعت ضحكة مازالت عالقة بالذاكرة.. لكن لم تسعفن الذاكرة علي تذكر الشخصية.. وأخيراً صدر صوت عن هذا الكائن المتخفي قائلا: لا تخافي هكذا.. أنا “روضة”.. وحينها ربطت الذاكرة بين صاحبة الصوت وضحكتها.. فعرفتها، هي زميلة الجامعة عالية الذكاء أولي دفعتنا وصاحبة الروح المرحة.. حقا هي كانت متدينة بطبعها وكان هندامها ساترا وحسب قواعد ديننا، لكنه لم يصل إلي هذا الحد من التخفي.. فقد كانت معتدلة في كل شيء.. تعانقنا ومشينا معا نتسوق.

قلت لها: لماذا السواد والتخفي يا روضة، قالت وهي تضحك: بالتأكيد تقولين لنفسك الآن: وهل توجد روضة سوداء؟؟ فأنا أعرف قفشاتك وتشبيهاتك.. وضحكنا واسترجعنا القليل من أيام الجامعة.. ووعدتني بالزيارة.. وفي أول لقاء كانت أول أسئلتي لها: ما حكاية الرداء الأسود؟

قالت وقد غامت عينيها واربد وجهها: تزوجت.. 

هذا جيد.. ولكن ما للزواج بهذا الرداء.

أَتَخَفى خلفه من نفسي ومن العالم، لا أريد أن يراني أحد يا “ندى”، وقبل أن تسألي أسئلة أخرى لابد أن تعرفي الحكاية الطويلة وراء هذا الرداء وارتباطه بالزواج.

– هل تتذكري “مجدى موسى” زميلنا في كلية الصيدلة؟

– نعم.. كان يحبك بجنون وأنت لا تلقين له بالا.. وكنا نضحك كثيرا لمطارداته المكشوفة وهو يظن أنه يتتبعك دون أن نراه.

– بعد الانتهاء من الدراسة بدأتُ أمارس مهنة الصيدلة.. وكان مجدى في كل يوم يأتي إلي صيدليتي ويتحدث معى بأدب جم.. وفي يوم قال لي: ألم يؤن الأوان لنتزوج؟!.. فاستيقظت بداخلي الدهشة والتفكير في هذا الأمر.. بدأت علاقتنا تتشكل بشكل جديد، تعلقت به حيث كان لطيفا.. وكما تعرفيه كان جادا ومستقيما ووسيما أيضا.. وكل هذا أوصلنا إلي الاتفاق علي الزواج.

حلمت بحياة مريحة كلها حب وجمال، تعارفت أسرتينا.. وعلمت أن وحيد بين أمه وأخته “وجدان” فقط بلا عائلة.. كانت وجدان قد تخطت سن الأربعين ولم تتزوج.. يكسو وجهها البله، عيناها الصغيرتان يكسوهما حقد ونقمة علي حياتها الخالية من أي شيء يُدخل عليها البهجة.. طولها الفارع وجسدها الممشوق بدون تضاريس، جسد يليق بشاب رياضي وليس بفتاة، فقد خاصم جسدها الأنوثة، حتى صوتها الأجش يتنافر مع كونها أنثي.

كنتُ أقرأ في عين أمها أسفا علي حال ابنتها المسكينة كلما تصادف وقوع عيني في عينها.

وتمت الخطبة في جلسة أسرية فقط دون عائلتي حتى لا يتم إحراجهم.. 

دعانا لرؤية بيته المبهر الذي بُني حديثا بشكل معماري جميل برغم غرابته.. بيت مكوَّن من أربعة طوابق لا يسكنه غيرهم.. يسكن الدور الأول والثاني أمه وأخته.. وقد جهز الدور الثالث لنا.. كانت الشقة كالقصور.. فالأسقف مزخرفة بزخارف هندسية متقنة وفي وسط الزخارف ثريات تتلألأ لتصنع جواً من الرهبة والسعادة في آنٍ واحد، حتى إنه لم يترك لي حرية اختيار أثاثات بيتي والستائر وغيرها من التجهيزات كباقي الفتيات، ولا أنكر أنه اختار الأثاث بعناية فائقة، كل ركن في البيت ينطق بالفخامة حتى أننى قلت في نفسي: لو أننى اخترت فلم يكن اختياري بهذه الدقة والأناقة والجمال.. وما استرعى نظري هو شبابيك البيت المصنوعة من الزجاج المعتم قليلا.. لا تنفتح بجرارات كالمعتاد ولكن لها منافذ علوية مستطيلة تنفتح نصف فتحة للتهوية فقط.. استغربت الفكرة قليلا ولكن جمال الستائر جعلني أعدل عن التفكير في تصميم النوافذ بهذا الشكل.

انبهرت والدتي وكادت تطلق الزغاريد ولكنى أمسكت بيدها كي تُحْجِم عن الإفراط في مشاعرها.. وأثنينا جميعا علي ذوقه واختياره الأنيق.

وفي الزفاف كان لابد من وجود عائلتي جمعاء.. فما كان من أمه وأخته سوى الانزواء.. لدرجة أننى تعاطفت معهما وسررت في أُذُنِ والدتي أن تحييهم وتهتم لأمرهم ولا تُشعرهم بالوحدة.. وبرغم ذلك كنت أقرأ شيئا غريبا في عيونهم.. فَسَرْتَه حينها بخجلهم أو شعورهم بالوحدة.. 

في اليوم الأول لزواجنا خرجت أخته تستقبلني أولا عند مدخل البيت وهي تفتح البوابة الكبيرة لنا.. وتُنَحى كلباً عظيما جانبا كيلا ينبح وحتى يفهم الكلب أن البيت سيزداد عدد أفراده بوجودي معهم.. ابتسمتُ ومددتُ يدى لأسلم عليها.. ولكن وجهها المتجهم أعطى أوامره لساعدها بألا يتحرك من جانبها!. 

تقدمتْ بعض خطوات واقتربتْ مني وكأنها تقصد إرعابي وهي تضغط علي أسنانها قائلة: أهلا.. يااااااا روضة.

وبعد دقيقة خرجت “حماتي” ووقفت علي أخر درجة من السلم.. وما إن وصلت إلي باب شقتي حتى وجدتها تسد أمامي الطريق الفاصل بين السلم وشقتي بذراعها الضخمة.. وقالت لي في لهجة حادة: أدخلي شقتك من تحت ذراعي.. فضاقت ابتسامتي التي كنت استقبلها بها ووقفت مشدوهة أنظر إلي مجدي متسائلة بنظراتي: ما هذا؟؟

فقال وهو يبتسم: هذه عادات موروثة فلا تأبهي بها.. انحنى قليلا فلا ضير.. وادخلي شقتك يا عروستي الجميلة.. ولا أعرف كيف أطعتهم واستسلمت.

في الليلة الأولي.. تركني قليلا.. فوقفتُ في منتصف غرفة النوم أتلفت وأنظر إلي كل موطن جمال فيها.. شعرت بأنني في بيت أحلامي. عاد ومعه صينية غاية في الفخامة عليها كأسين حولهما باقة من الورود.. كان يتحرك تجاهي كإنسان آلي يتصرف بآلية شديدة وكأنني أشاهد فيلما في الأربعينات.. أذهلتني طريقته التي يعتريها الفخامة والأصول كنت أبتسم مع كل خطوة يخطوها.. قدم لي كأسا من العصير قبل أن يجلس إلي جواري.. وارتشف العصير في هدوء.. ثم أدار موسيقي هادئة بطيئة ومد ذراعه وفتح كفه يدعوني للرقص معه.. وكانت ليلة بديعة لم أحلم بها قبلا.. 

وفي الصباح انقلب الحلم وصار كابوساً فقد قام قبلي ليصلي الفجر حاضرا.. وأحضرتْ له والدته الفطور.. وقد تناوله وحده دون أن يوقظني.. فتحتُ عيني لأجده يرتدى ملابسه استعدادا للخروج.. تمطعتُ في دلال.. فما زالت حواسي منتشية بنشوة الأمس.. وسألته: كيف تخرج في مثل هذا اليوم؟؟ ونهضتُ من سريري أطوقه وأنظر في عينيه لأستجدى بقاءه إلي جواري.. فرأيت ما لم أتوقعه.. تغيرت العيون العاشقة التى رأيتها ليلة أمس بعيون جليدية باردة.. وقال لي بلهجة حادة وهو يفك قيده منى: اليوم سماح لأنك لم تعرفي عاداتي.. والدتي أحضرت لي الفطور.. والغد لن أسمح بهذا، أنا أستيقظ مع الفجر.. ولابد وأن تكوني قبلي تجهزين الحمام وتحضرين الفطور وكل ما يلزم الزوج من مطالب.

وضغط علي يدى بشدة لدرجة آلمتني وقال: أنا لا أحب من يهدر حقي.. فأنا لا أهدر حقوق الآخرين كما ترين.

تسمرتُ في مكاني وتخشب حلقي وضاعت منى الكلمات.. وبداخلي صوت يقول: هل تبدل زوجي؟ هل هذا شبيه له مختلف الطباع؟؟ ويصرخ الصوت ليسأل محتجاً: مَنْ هذا؟؟

وقد شق صمتي صوته وكأنه يرد علي أسئلتي قائلا: لكل مقام مقال يا عزيزتي.. فتعلمي هذا.. اتركي الفوضى التى تعلمتها من بيتكم.. هنا نظام.. وكما ترين خطواتي كلها محسوبة.. ولن أسمح بتكسير قواعدي من أجل أي شيء.

رنت في أذني كلمة “أي شيء”…فاتسعت عيني وتساءلتُ في نفسي: أنا أي شيء؟ وقبل أن أنطق بها.. وجدته وكأنه يقرأ رأسي قائلا: لا تكوني قاصرة الفكر يا عزيزتي.. فليس المقصود بكلمة أي شيء أنكِ تافهة.. لك كل التقدير بالتأكيد.. ولم أقصدها حرفيا ولكن بالمعنى المتعارف علي اتساعها.

وابتسم لي ابتسامة باردة وخرج لا أعلم إلي أين.. وتلقفتني أمه ” رشيدة هانم” بعنجهية تشبه عنجهية ملكات القرون الوسطى وقالت لي بنبرة قوية: أنتِ تعلمين يا روضة أنكِ أصبحت مشاركة فعلية في تسيير شؤون هذا البيت إلي جانبي أنا و”وجدان”.. وسنقوم بتقسيم العمل فيه علاوة علي مسئوليتك عن زوجك التى لا دخل لنا فيها.

لم أفهم ما قالته فهماً جيدا.. ولكنى فهمت أنه يتوجب عليَّ مساعدتها.. ولم استنكف هذا بالتأكيد.

أما أخته “وجدان” فقد كانت ماهرة في صنع “الأسافين” المغلفة ببراءتها المصطنعة.. لسانها اللاذع تلسع به كل من يتحدث إليها، يقفز من وجهها عدة انفعالات في آن واحد.. ولم أفهمها هي الأخرى بعد.. فبعد أن سكتت والدتها عن الكلام وجدتها تنتصب لتصبح أكثر طولا عما كنت أراها عليه وقالت: أنتِ لم تفهمي أمي ولم تردى عليها الرد اللائق.. 

قلت في ارتباك: كيف؟ فأنا أجبت بالموافقة علي قولها.

– هي لا تريد موافقتك.. هي قالت: سنقوم بتقسيم العمل بيننا.. – ثم علت نبرة صوتها – فهل يجب أن تكون هي ضمن هذا التقسيم؟؟

وهنا شعرت بأن صوتها هذا لابد من الرد عليه بشكل أكثر حسما فقلت لها:

– أنا عندي شقة مستقلة ولي بيتي وزوجي وهذه مسئوليتي فقط.. ولكن ذوقياً فمن الممكن مساعدتكن لو أمكنى هذا.

ساد الصمت بالمكان ووجدتهما تنظر كلاهما للأخرى باستغراب.. وكأن لغة ما تتداول بينهما.. لا أنكر أن هذه النظرات أرهبتني وذكرتني بشخصيتي “ريا وسكينة” فهربت من أمامهما ودخلت شقتي وأغلقتها جيدا حتى يأتي زوجي ويحميني منهما.

عاد زوجي بعد العصر فوجدني في هالة من الفزع وسألني عما حدث.. فحكيت له ما حدث بكل صراحة.. وإذا بمارد من الشر يخرج من رأسه وشرر يتطاير من عينيه وكأنني ارتكبت جريمة كبرى.. وبدا تصرفه هذا كصفعة أولي لي.. 

أخذ يصرخ ويقول لي: أمي وأختي خط أحمر.. لا يجوز لأي أحد إغضابهما.. 

فثارت ثائرتي وقد أصابتني ثورته بهياج عصبي وقلت له:

– أنا أصبحت أي شيء.. وأي أحد في نظرك؟؟.. فأين أنا من الخط الأحمر هذا؟؟ ألم أخصك مثلهما تماما؟؟

أمسك يدي بقوة وكأن قوته تجمعت في كفه وقال في همس: لا أسمح بأن تناطحيني في الكلام بهذا الشكل.. ولا يعلو صوتك فوق صوتي أبدا.. فانتفض جسدي وعجزت عن أخذ أي رد فعل.. تهالك جسدي وارتميت علي سريري.. غصت في حريره أبكي وألتمس حضن أمي الدافئ.. فإذا به يرق لحالي ويربت علي ظهري ويطمئني علي أن الأمور ستسير بكل ما هو جيد فيما بعد.

مر أسبوع وراءه أسبوع علي الزواج ولم أر إنسانا واحدا من طرفه أتى ليهنئنا.. وسألته في براءة: ألم يكن لك أقارب أو أصدقاء ليهنئونك بالزواج؟

رد وهو متجهم: أنتِ تعلمين أنني بنيت هذا البيت في مكان بعيد عن البشر في أقصى مكان بمنطقة ” العجمي بالإسكندرية” لأستمتع بحياة هادئة بعيدا عن ضجيج المدينة وعجيج البشر.. أريد لنفسي وأهل بيتي الهدوء الكامل.. وبنيته كما ترين علي أجمل تصميم وزودته بكل متعة من متع الحياة حتى لا نسمح لأحد مشاركتنا حياتنا الخاصة.. ثم أردف قائلا: استمتعي معي يا جميلتي بالهدوء.. انعمي بالجمال.. ولا تشغلي بالك بأحد.

قلت له: سوف أعود لعملي بالصيدلية غدا.. 

قال لي بكل رقة: لم يمر شهر العسل بعد.. لا تقلقي.. فأنا سأمر عليها وأباشر العمل بها.

وخضعت لأنامله المُحبة التى راحت تعبث بشعري وتدغدغ مشاعري.

مر شهر كامل علي زواجنا لم أشعر فيه إلا بغرابة الشخصيات التى أعيش معها.. ومع كل تصرف غريب أنسج لنفسي مصوغاً لهذا التصرف وأنبذ أي أفكار قد تبدد فرحتي بما امتلكه من زوج مهذب وجاد وكريم، وبيت يرقي إلي مستوى أرقي البيوت في العالم.. وأغض الطرف ما دون ذلك.. 

طالبته بالعودة إلي عملي بعد مرور الشهر.. ولكنه رد في هدوء مقيت: برجاء نسيان عملك.. فأنا قادر أن أكفي بيتي.. فهل أنا قصرتُ في شيء؟

قلت: لا، لكني لم أتعلم وأتعب في الحصول علي مجموع يؤهلني للصيدلة وفي النهاية يكون مآلي البيت!! ثم إنك تزوجتني وأنت تعلم أنني أحب عملي وقد كافح كل من والدي والدتي ليحققوا حلمهم في افتتاح صيدلية لي لأمارس العمل الذي أحبه وأحقق طموحهما.

فقال في تحدٍ وصلف: وأنا الآن أفتح لكِ مجالا أفضل.. كزوجة معززة مكرمة وربما أم فاضلة لأولادنا إن شاء الله.. فأختى لا تعمل وأمي أيضا لم تعمل من قبل.. هن يعشن في مملكتهم هنا.. وأنا أردتُ أن تكوني ملكة بيننا.

قلت في تحدٍ أكبر: وأنا مملكتي في عملي.. أما بيتي فلن ينقصه شيء.. ولن أتخلى أبداً عن عملي مهما كلفني الأمر.

فجأة صمت وتركني وهو ينظر لي نظرات تنطق بشرر ينبئ عما يخبئه لي من غضب كاسح.

مع الوقت شعرت بشعور سَرَ قلبي، فقلت لزوجي في سعادة: أريد الذهاب إلي الطبيب.. وفهم سر سعادتي.. فقال بحب: استريحي.. سأجلب لك الطبيبة إلي سريرك.. وبالفعل كان ظني صحيحا.. فأنا “حامل”.. كدت أطير فرحاً.. أردت أن أخبر أمي بهذا الخبر السعيد.. فقلت له: ما رأيك أن نذهب سويا لأسرتي وأبلغهم بالخبر السعيد؟!

قال في ود وهو يطوقني ويلاطفني: لا يصح.. فأنت حامل وعليهم هم زيارتك إن استطاعوا.. 

فخضعت لما أراد.. لظني أنه يخاف علي طفلنا القادم وعلي صحتي.. ولم أتحدث في أمر رجوعي إلي عملي لأن الطبيبة أمرتني بالراحة التامة خلال الثلاثة أشهر الأولى.. 

مرت الأشهر سريعا.. لا تخلو من منغصات حماتى وابنتها.. كنت معهم أحاول تطريز كلماتي قبل أن تخرج من فمي.. حتى لا أواجه عواصف فم ثلاثتهم.. فقد كان مجدي في صفهم دائما حتى ولو ظلمني.. فقد كان يثق أنه يستطيع إخضاعي بسهولة.. 

وخلال فترة حملي زاد تهكمهم ضدي.. وأنا أحاول الاهتمام بحملي والحفاظ عليه.. وسمعت منهم كثيرا بعض الجُمل التى تشى بما بداخلهم لي.. فإذا رأوني أتوجع.. أسمع حماتي وهي تقول: ” هو في إيه.. هي أول واحدة تحمل؟!! يعنى حتجيبي لنا رئيس جمهورية يا خية؟؟” وترد عليها ابنتها ” دلع ستات ماسخ” ويمصمصن شفاههن ويزداد حقدهن عليَّ الذي لا أعرف مصدره.. فأنا لم أفعل ما يجعلهن هكذا.

كنت أتجاهل كل ما أسمعه حتى لا تزيد المشكلات.. ومع كل موقف أتجاهله كانت تسقط معه نقطة من كرامتي وأنا لا أدري.. خيوط الرفض لِما يحدث تتشابك في قلبي ولكنى لا أتفوه بكلمة تدل علي رفضي لهذه الحياة بين هاتين العقربتين.. فالكثير ممن حولي وفي مثل سني لا يجدون نصف ما أمتلك من نعمة.. وأنا أومن أن الإنسان خلق في كَبَد، وما من إنسان في هذه الدنيا إلا ولديه من المصائب ما تنغص عليه النِعْم التى يمتلكها.

جاء طفلي بين سعادة الجميع.. أسميته ” باسم” ربما تعم البسمة في هذا البيت ويكون باسم هو الرابط الجميل بينى وبين أهل زوجي..

كاد باسم يستثمر وقتي كله لصالحه فقط.. وبدأت المشاكل تتواصل لأنني اهتم بالطفل دون اهتمامي بحماتي ومطالبها.. فقد كانت تتعمد ترك بيتها متسخا والأواني تتفرق في المطبخ بشكل عشوائي، راحت تتمارض وتدعى أن ابنتها تخدمها وترى حاجتها ولا تستطيع فعل شيء أكثر من ذلك وعليَّ مساعدتها.. وتكررت المشاجرات وتكررت الشكوى حتى وقع زوجي بين رحانا فاستشاط غضبا.. لم يستطع الثورة علي أمه وأخته فما كان منه إلا أن أفرغ طاقة الغضب في وجهي دون وعي منه.. فقد لطمني لطمة لم أتوقعها.. فقدت توازني وطار ابني من أحضاني فارتطمت رأسه بالأرض.. صرخ صرخة واحدة وبعدها فقد النطق تماما.. انكببت عليه احتضنه غير مبالية بكم الدماء الذي انبجس من ثقبي أنفي.. صرت أقلب طفلي المسكين الذي صار في يدي كخرقة بالية بلا روح.. هرولت به خارج البيت كالمجنونة أبحث عن مغيث.. وجرى مجدى ورائي مجفلا نادما عما فعله.. يهدئ من روعي ويحاول الإمساك بي.. حاولتُ إيقاف أي وسيلة مواصلات.. ولكنى لم أفلح.. فاحتضنني مجدى وقال لي اركبي.. سيارتنا هنا فلا تجعلي الغضب يضيع ابننا بانتظارك لسيارة أخري.. 

أذعنتُ له من أجل طفلي وركبت السيارة ووصلنا لأقرب مستشفي. وهناك تأكدتُ بأنه لفظ أنفاسه الأخيرة.. أصابني الذهول، لم أقو علي احتمال جسدي منتصبا.. فخارت قواي ولم أدر كم من الوقت قضيتُ في العناية الطبية.. 

صمتت “روضة” قليلا فقد تيبست الكلمات على شفتيها التى شققها الحزن.. فأصبحا كتمرتين ناشفتين وقالت بحشرجة: مات ابنى.. ومات قلبي معه.. وبدأت تتنفس بصعوبة.. وترتجفُ الكلمات بين شفتيها.. 

فأمهلتها وطلبت منها الصمت حتى نشرب سويا كوبين من “النسكافيه” الذى نحبه.. وساد الصمت وأنا أتفرس وجهها وأقرأ بقية قصتها المؤسفة.. وطال صمتها.. مما جعلني استحثها لتكملة الحكاية.. لكنها لم تتكلم وصارت تبلع ريقها وتنظر لي حتى خلت أن صمتها الحزين جعلها تنسى الكلمات فاحترق المعنى بداخلها.. فأجابت بغزير من الدموع حتى تفتت جزيئات قلبي مع كل قطرة من دموعها.. وتشهق روحي مع كل شهقة من بكائها.. 

وبعد فترة من النحيب استأنفت رضوى حديثها قائلة:

أتعرفين يا “ندى” بعد عودتي إلي بيتي.. رأيت كل ما كنت منبهرة به من جمال سواء معماري أو أثاث فخم أو حتى محاولة زوجي الاعتذار وتعويضي عما حدث.. كل شيء قد تغير في عيني فقد صار وجه مجدى الوسيم كعفريت يصيبني بالفزع، وأمه وأخته كنت أراهما بالفعل “ريا وسكينة” يقتربان منى ويعزمان علي قتلي.. صار الجمال من حولي يطبق علي صدري ويسحق مشاعري.. كنت أرى الجداران علي اتساع التباعد بينها تقترب لتعصرني.. زهدتُ كل شيء حتى أظلم قلبي فأصبح بلا مشاعر.. 

وفي سواد الليل المعتم يتخبط قلبي، يحاوطني صمت مزعج، دقات الساعة تدق داخل رأسي كناقوس لا ينقطع رنينه.. الدقائق تمر كأنها عُمر بأكمله.. أتمنى ألا يأتي الليل، وأسأل الفجر أن ينبلج بنوره حتى أستفيق مما أنا فيه.. بدأت ألعن الهدوء الذي يلف المكان ويحتضنه.. بعدما كنت أستكين لهذا الهدوء وأعشقه.. 

قررت العودة إلي عملي دون أن أطلب هذا منه.. ففي صباح يوم التعافي أعددتُ ملابسي السوداء – التي أرتديها الآن- وعزمتُ على الخروج، فإذا به يجذبني بحنان ويقول لي بهمس: ماذا تفعلين؟؟ 

قلت له بهدوء تام: سأذهب إلي عملي.

شعرت بكل خلجاته تقفز وتهم بثورة جديدة، حاول كبح جماح ثورته قائلا: أنتِ مازلت متعبة ولا يستحب لك الخروج.

قلت له بثبات: الخروج لي دواء.. فلا تقف في طريقي.

تحول الحنان إلي غلظة فجذبني جذبة تحذيرية وهو يضغط علي ذراعي، حتى تألمت، ثم تركني وقال: انتظري بعض الوقت ولا داعي لمعاندتي.

شعرت بالخطر حينها.. فتركت ملابسي ودخلت في فراشي لأكمل انسحاقي وانهيارات نفسي المكلومة..

مرت أيام، وفي كل يوم يتحاشى مجدى التحدث معي أكثر من اليوم الفائت فكان إما أن يصمت كالأصنام الحجرية أو أن تخرج الكلمات من فمه كقطع الثلج، يجلس بالساعات في مكتبه متخشبا، يقرأ بعينيه.. تحسبه قد فقد الحركة أو مات متصلبا علي كرسيه لولا حركة رموشه البطيئة غير الملحوظة، يكتنفه الغموض والتجهم.

أصبحت الأيام معه تسير ببطء.. وآلام قلبي وجسدي تسير بأقصى سرعة.. فلم أعد أحتمل، تركت له مملكته إلي حيث اللاعودة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.