بثينة الدسوقي
اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو
أتعجب لحال هذه المرأة، اصطدم بها في المناسبات العائلية، فرح، عزاء، تأتى بوقار واحتشام وتندمج مع الجميع كسيدة من سيدات العائلة وتعود للاختفاء، عندما أسأل عنها تجيئنى الإجابة: إنها وحيدة، مطلّقة، ويعقب ذلك فترة صمت تليق بوضعها الشائك.
لم أفهم كل هذا الصمت، فما الذي يعنيه كونها مطلقة غير أنها بلا زوج يظهر معها في هذه المناسبات؟
كنت ساذجة،عندما اقتربت منها انسانياً، هالني ما عرفت!
عندما استضافتني في بيتها الهادئ كان ترحابها دافئاً وكأنها لا تصدق زيارتي لها، حاولت الربت على مشاعرها، والتماس أطراف حديث لا يؤذيها، تطلعت لصورها شابة صغيرة معلقة على الجدار، فلاحظت نظراتي
قالت: لعلك كنت صغيرة فلم تسمعى بقصة حبى التى هزت وقار العائلة، لإصرارى على اختيارى، لم أكن صاخبة الجمال لكنى كنت مقصد الكثيرين، ربما لهدوئى، وربما لشيء من الجاذبية فى ملامحي العادية، إنه أمر لا أدركه حتى الآن
تُصر على إعداد فناجين الشاي بالقرنفل وانا أزورها فى شقتها الصغيرة الهادئة
وتعود، قائلة: نصحتنى صديقة ساخرة فى بداية زواجى أن اهتم بنفسى جداً، فربما يموت زوجى أو أُطلَّق، على أن أكون دائماً على استعداد، ولاشمئزازى مما قالته لم استمع لنصيحتها التالية، اصنعى حولك دائرة خاصة بك، عالم خاص بك، صديقات، أقارب، لقاءات معهن لا يُثنيك عنها شىء، لا تُقلصى اهتماماتك فيه وحده، لعلها كانت تعرفنى – وياللسخرية – أكثر مما أعرف نفسى.
تحاول الهرب من انتظاري لكلماتها فتقول:دعكِ منى، احكى لى عن أولادك، رأيتهم مؤخراً، فى غاية الجمال.
قلت: بل احكى لى أنت عن أولادِك
سهمت قليلاً وقالت: سأعبر عشر سنوات باسمة باكية فى زواجى أنهيتها بترددى على طبيب نفسى رغبة منى فى إبقاء نفسى صالحة للاستعمال الآدمى، ولتربية طفلين، لكنى عندما حكيت للرجل، قليلاً، قال لى عدة قواعد استحال على تنفيذها، وفشل فى إعادتى لما كنت عليه قديماً جداً قبل زواجى، تضحك ضحكة قصيرة وتكمل:
لن تتخيلي ما طلبه مني الطبيب، لقد طلب منى ألاَّ أفعل مع زوجى أبداً أقصى ما بوسعى، أن أكف قليلاً عن العطاء، لا بأس أن يغضب زوجى قليلاً، لن تنتهى الحياة إذا فعل، أرادنى أن أثق بقدراتي الشخصية التى صرت أجهلها
شعرت أنى ذهبت إليه متأخرة جداً، وأعتقد أن نهاية كل شىء بدأت بترددى على هذا الطبيب الذى أخبرنى أننى بطبعى شخصية “اعتمادية” بلا رأى ولا كيان، لا أدرى إن كان ما فعله معى صحيح مهنياً أم لا، لعله أراد أن يصدمنى لأفيق واسترد ذاكرتى المفقودة عن نفسى
ما رأيك فى قطع الكيك، أولادى يحبونها كثيراً؟
لاحظت أناقتها وهى عائدة بأطباق الكيك الشهى، وأكملت: بعد عام من الصراع الداخلي والخارجي ومحاولاتي للتعايش بنصائح الطبيب وبدونها، أجلست زوجى أمامى يوماً واستجمعت شجاعتي كأنه غير موجود أمامى وخاطبته:
أعلم أنك تحبنى كما أحبك، لكن لم يعد هذا وحده كافياً، لم أعد أصلح لأكون زوجة أو أم، فالزوجة تشارك بالرأى أو على الأقل تناقشه، أنا لا أعرف كيف أفعل هذا، قلت لى مرة أنى بلا بصمة على حياتك – نظرت لأصابعى في تلك اللحظة- أنت من جعلنى هكذا، لم أعد أصلح كأم، فليس لى رأى حتى فى اختيار ملابس طفلى، أنت قادر على اتخاذ كل القرارات والاختيارات، فما حاجتك إلىّ؟ بقاؤنا معاً يحطمنى ولا حل إلا بالانفصال
لكن انتظر، فأنا لا أعرف كيف انفصل عنك، لا أتخيل شكل حياتى بدونك، ربما كان الموت أفضل، لكنى عاجزة عن الوصول إليه الآن، ربما بقية من إيمان، أو هو ضعف شديد يسكننى، هل يمكنك أنت أن تقتلنى وتريحنى؟
لا تضحك، فليس بكلامى شىء يُضحك، أعرف أنك لا تستطيع، كل ما أريده أن تخطط -كعادتك – لى حياتى بعد انفصالنا، أريد أن ترتب لى كل شىء، اختر لى بيتا، واخبرنى هل تريد لى الاستمرار فى العمل؟ وامنحنى من مالنا المشترك ما تراه ملائماً لاحتياجاتى، وعدنى أن تأتى لى بالأولاد كل حين، لن يمكنني الاعتماد على نفسي في تنشئتهم، لقد نفذ كل ما كان لدي من عطاء، ورغبة في العطاء، تأكد أنى لا أملك حتى أن أغضب إذا قررت الزواج بعدى، أو حتى لو لم تُرِد تطليقى، لا فارق لدي، افعل ما تريد، فقط دعنى ابتعد
ساد الصمت الطويل بيننا، ولكنها ختمت حديثها: لعلى استرددت نفساً خربة، عالجها الزمن قليلاً، ربما نبذتنى العائلة وتصوروا أنى قاسية القلب على أولادي، وجاحدة لزوجي، ومتبطرة على حياتي، لعلى لست سعيدة، لكنى على الأقل حية، الحياة بنصف روح أقل قسوة من الحياة بلا روح على الإطلاق.