تميمة حب

تميمة حب

أمل بشير

اللوحة: الفنانة الجزائرية وفاء زهراوي

الله أكبر الله أكبر الله أكبر

اقشعر بدنها وهي تفتح نافذة غرفتها لتسمح لتلك التكبيرات أن تخترق قلبها رغم أن النافذة المغلقة لم تمنعها من ذلك. فلطالما كان صوت صلاة العيد بتكبيراته يثير تلك الرجفة التي تشبه الحمى حين تصيب الجسد. ربما هي حمى المشاعر عندما تتدفق بغزارة فتدفئ القلوب وترفع درجة حرارة الأرواح فترتجف الأجساد.

ذلك الصوت يذيب الجليد عن ذاكرتها فتنساب أحداث مر عليها زمان طويل لتعود للحياة من جديد. تذكر بيتهم القديم وكيف كانت والدتها توقظها وإخوتها ليستعد أخويها فيرافقا والدها لصلاة العيد. وتكمل هي واختيها تجهيز المنزل ليرتدي حلة العيد ويتعطر ببخوره. وليعددن طعام إفطار يوم العيد الأول. لتصنع والدتها أشهى صينية سمك فقد كانت العادة أن يكون إفطار اول ايام العيد صينية سمك تبرع والدتها في إعدادها ورغم أنها تتلمذت في المطبخ على يد والدتها فلم تنجح هي أو سواها في إعداد نفس الصينية رغم تشابه المكونات. ولكن ربما كان المكون السري الذي لن تستطيع تقليده ابدا هو ذلك الحب والدفء الأسري الذي كان يعم المكان. كانت تجهيزات العيد تبدأ قبل اسبوع أو أكثر. فالتسوق كان أولها كم كانت تعشقه حين تذهب للسوق برفقة أسرتها لشراء ملابس العيد. لا تستطيع وصف فرحتها بأي كلمات. لم تكن الملابس ولا الأحذية ما يصنع تلك الفرحة والا لكانت اسعد خلق الله اليوم فالخزائن تعج بهذا وذاك وتوشك أن تنفجر من فرط ازدحامها. ولكنه ربما نفس المكون السري الذي يلقي بتعويذة تغير طعم الأشياء ونكهتها وتلون جميع اللوحات بألوان الفرحة.

قد يفسر هذا كل المشاعر التي ما عادت تشعر بها. فتلك التعويذة والمكون السحري لم يعودا موجودين في حياتها. تذكر جيدا يوم حزمت كل الأحلام والأمنيات كل الطموح والصور الجميلة لتغادر منزلا يملأ الدفء أركانه وينبض بكل المشاعر التي قد نحتاجها لنشعر بالأمان.

تذكرت ذلك اليوم الذي امتطت فيه صهوة جواد خلف ذلك الفارس الذي رسمت في خيالها له صورة منذ أن بدأت تشعر أنها أنثى. ذلك الفارس الذي حلمت دوما أن يبني لها قصرا من الحب ويطلي جدرانه بألوان السعادة، ويفرش الطريق إليه بالورود ويوشي كل خيوط سجاده بأحلام جمعتهما معا.

دخلت في ذلك اليوم قصرها المنيف وزينت كل جدار منه بقطعة من روحها ملأت ارجاءه بصوت محبتها وغزلت كل الستائر فيه من نور عينيها لتجعل ذلك المكان سكنا. منحت تلك الحياة الجديدة كل ما استطاعت من مودة. واحالت كل المشاعر المخبأة شلالا يسقي جفاف القلوب بالرحمة.

نظرت حولها في المكان تحاول أن تسترجع ذكرياتها فيه.

اقشعر بدنها من بعض الذكريات وسرت تارة أخرى رجفة فيه. ولبعض الذكريات ابتسمت بينما اقتضبت وفرت بعض الدموع لأخرى. استنشقت رائحة وجعها وفرحها الذي شهدها. تدفأت بكل المشاعر التي فاضت فيه واصابتها برودة من تلك الليالي التي خلت من العاطفة.

هنا صنعت سنوات عمرها العشرين الماضية وكتبت قصتها بيد القدر. هنا حققت بعض أحلامها وهنا شعرت بالخذلان.

ماما ماما قطع صوت احمد الذي كان يسبق خطواته دوما والحماس يملؤه صمتها وحبل ذكرياتها. ركض احمد نحوها يحتضنها وهو يقول كل سنة وانت طيبة يا ماما.

الله ما أجمل هذا الحضن الذي كلما نسيت ذكرها انه الان امانها. نعم فقد استبدلت عشها الأمن بآخر أكثر أمنا.

خرجت من جنة والديها لتصنع جنة أخرى تخصها تقبع تحت أقدامها. غادرت حبا فطريا كان مصدره والديها لتحصل على آخر تغلفه البراءة في عيني ولدها.

أدركت وهي تبتسم وتصارع تلك الدموع التي ما عادت تدري هل هي لفرح ام حزن ام عاطفة لا اسم لها. إنها حصلت على قصرها المنيف ومكونها السحري الخاص الذي يضفي نكهة حقا هي مختلفة لكنها تنافس تلك النكهة في ذاكرتها. صنعت تعويذتها لتبعث السعادة وتصنع ذكريات احمد واخوته.

سمعت صوت الجميع في الخارج أين الطعام ماما هلمي الجميع ينتظرونك بالخارج وقبل رأسها ويديها.

خرجت إلى الصالة فسارع الجميع بتبادل العناق وعبارات التهنئة بالعيد وسحب من السعادة تغطي سماء المكان.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.