حاوي

حاوي

محمود حمدون

اللوحة: الفنان المصري محسن أبو العزم

لا يخرج في برد الشتاء إلاّ من أعوزته الحاجة وقرصه الجوع، تذكرت تلك الحكمة عندما رأيته منذ سويعات مضت، نحيل إثر جوع أصابه، يرتدي قميصًا ويعتمر  طاقية من صوف.

أتبعته بعيني، كان يقف بمنتصف شارع خال من المارة،إلاّ من رواد مقهى متناثرين على رصيف الحياة، كل في شغلّ. 

يحمل بيده “صّرّة” من قماش سميك، ألقاها على الأرض بطريقة أثارت انتباهنا، نظرنا إليه ما بين شارد أو غير مهتم بما يفعل، انحنى لممارسة عمله، فأخرج زجاجة متسخة من داخلها وخارجها، وضعها جانبًا، ثم سيخين من حديد لا يتجاوز كل منهما نصف “متر” طولًا، بنهاية كل سيخ كرة من قماش، فسكب من الزجاجة عليهما ثم أشعل النار، فاشتعلت الكرتان بلهب أضاء بعض عتمة الشارع، أجبر باقي زبائن القهوة على متابعته، همس شيخ كان يسحب نفسًا من “الشيشة” بصعوبة بالغة لعلّة توطّنت جسده منذ زمن: لم أر حاويًا منذ قديم، مط شفتيه وأردف: صحيح أكل العيش مر.

انطلق “الحاوي” في تلاوة بعض أهازيجه التي يجذب بها الأنظار، بصوت عال بدأ بالصلاة على النبي، حمل السيخين بيديه، تراقص بهما بينما النار تتأجج بفعل الهواء البارد، ثم جلس على ركبتيه، ألقى رأسه للوراء، أمسك بأحد السيخين، وقد اشتعلت رأسه نارًا، وضعه في فمه ليطفئه ثم فعل بالآخر ما فعله بالأول. أشعلهما من جديد، تجرع بعض من الزجاجة، نفخ في فيهما، وهما على امتداد يديه، فاندفع اللهب  والضوء أمتارًا في الهواء.

 امتد العرض دقائق لا تزيد على عشرة، خلالها انهمر العرق من جسد “الحاوي”، بنهايتها لملم عُدته “وأعادها إلى جرابه” السميك، بينما تململ المسنّ من جديد، همس: ما أشد قسوة الحياة، ثم أنزوى بنارجيلته بعيدًا يجتر ذكريات ماضي ولّى، بينما وقف “الحاوي” النحيل يقلّب ناظريه بيننا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.