بثينة الدسوقي
اللوحة: الفنان المصري طه القرني
ـ لم يعد من الممكن أن نظل على هذا الحال، أنا منسية في ظل عمله الدائم، وطموحه الدائم وسعيه الدائم..
قلت هذه الجملة وأنا ساخطة، كالعادة
ـ كلهم على هذه الشاكلة، أتظنين أن رمزي أحسن حالاً من أشرف، إنه يتركني بالأسابيع بدون كلمة، يأتي ليأكل ويتثاءب وينام، ويوقظني في الفجر ليداعبني وكأن شيئاً لم يكن، ثم ينام، وهكذا
ردت ليلى هذا وتناولت فنجان قهوتها لتجهز على ما تبقى منه، وكأنها تفترسه، بينما ظلت ريهام صامتة كعادتها تتأمل سقف مطبخي الفسيح
لقاؤنا يفرّج عنّا، كنت أظن هذا في البداية، لكنه صار عبئاً مع الوقت، إنهن جاراتي غير العاملات، واللاتي يقضين صباحهن في تنظيف المنزل وإعداد الطعام، ولو أن ريهام أسعدنا حظاً، لأنها تعمل كمترجمة من المنزل، أما أنا..
ـ وما أخبار دكتورة عزة؟؟ هل ما زالت تزورك؟
ألقت ليلى بسؤالها وهي تقصد نبش الموضوع القديم الذي كنت أريد طيُّه، لم يكن من الصواب أن أحكي لهما عن مخاوفي من عزة، لا أدري لماذا أكره هذا الحديث، لا أدري لماذا يشق عليّ، لعلي مخطئة في ظنوني ومخاوفي ولهذا أشعر بتأنيب ضمير، أو ربما أني كامرأة يشق علي الاعتراف بمخاوفي من امرأة أخرى، و ليلى تسأل لتضيع بقية النهار الذي يمضي بنا في تثاقل، إنه الفراغ الذي يملؤنا فلا نميز إن كانت كلماتنا تؤذي الآخرين أم أنها تمر مرّ الكرام، ثرثرة تؤذيني لكني سأجيب على كل حال
ـ عزة ؟، إنها تحادثني في التليفون أحياناً، لا تجد وقتاً للزيارة فالمستشفى تلتهم وقتها، أخبريني يا ريهام باعتبارك الأعقل، هل ترينني فاشلة؟
ضحكت ريهام ضحكتها الطويلة الجميلة وقالت وهي تربت على كتفي
ـ وما هو الفشل؟
ـ الفشل هو..، هو الفشل، بدون سفسطة أرجوك أجيبيني.
ـ لكي تقيّمي نفسك هل أنت فاشلة أم لا يا سلوى يجب أن تحددي شيئاً معيناً لتبحثي نجاحك أو فشلك فيه، ليس هناك إنسان ناجح أو فاشل على الإطلاق
ـ ماذا تقصدين؟
ـ أقصد، أن امرأة مثلك، ربة منزل، يمكن أن تقيّم نفسها في عدة اتجاهات، هل هي راضية عن أدائها في بيتها مع زوجها وأولادها؟ هل تكتفي بطموحها الذي تحققه من خلالهم أم أن لها أحلاماً أخرى قابلة للتحقق؟ هل هي راضية عن نفسها شكلاً وموضوعاً؟ هل هي ناجحة في علاقتها مع زوجها؟ هل هي ناجحة اجتماعياً؟ وبعد هذا يجب أن تفكري أنك قد تكونين ناجحة في البعض منها وفاشلة في البعض، ويتوقف تقييمك على أهمية هذا البعض لك من عدمه، هذا ما أقصد
ـ إذن، يمكنني القول إني فاشلة
ـ لا تتسرعي، ربما أنك ناجحة لكنك لا تدركين نجاحك، ربما تظنين أنك فاشلة مع أولادك لكنك أقرب لهم مما تفعل أمهات كثيرات، وهذا ما أظن، ربما أنك ناجحة في مساعدة زوجك لأداء عمله لكنك لا تشعرين بهذا لأنك تفتقدين وجود عمل خاص بك، ربما أنك ناجحة في فهم زوجك لكنك غير ناجحة في ارضائه بشكلك، مثلاً
ـ نعم،
ـ أتعرفون أن حديثنا معاً قد يكون ثرثرة نساء لكنه يمكن أن يكشف لنا ما لا نراه في أنفسنا، أو لنقل ما يراه الآخرون ولا يحادثوننا فيه، بل يهمسون لبعضهم البعض مشيرين إلينا من طرف خفي، يمارسون النميمة على أحوالنا بلا نصيحة، الحق أننا لن نحب نصيحة من غيرنا، لعلنا مازلنا نتقبل نقدنا وصراحتنا ونصائحنا التي نوجهها لأنفسنا هنا لكننا لن نقبل بها من الآخرين، لا أدري لماذا اعتبر لقاءنا كجلسات العلاج الجماعي التي أسمع عنها
(أقول وأنا أجهّز بعضاً من الكيك)
ـ ريهام تتجلى..
ـ بلا سخرية، أكثر ما يقتلكما هو سخرية زوجيكما، وأول أسباب طلاقي كان سخريته مني
ثم تدفع طبق الكيك بعيداً عنها قائلة
ـ ألا ترون أننا جميعاً نزدحم بالشحم، لماذا لا نذهب لصالة جيم لنتخلص قليلاً منه، لماذا نركن للجلوس هنا لنزداد شحماً
نظرت ليلى لها نظرة طويلة وهي تنقر على فنجان القهوة بأظافرها الطويلة وقالت بيأس
ـ لن يوافق رمزي بأي حال، لديه هاجس بأن أي أماكن مخصصة للسيدات هي أوكار لتصويرهن واختراق خصوصيتهن،
صمتت مجدداً
ثم قالت صارخة
ـ لو أغلقتم في وجهي باب المطبخ سأقتلكم، لو أنهيتم جلساتنا هنا سأموت، لو تركتموني للذهاب للجيم سأنتحر
نظرنا كلٌّ منّا للأخرى وضحكنا جميعاً، لكني كنت أعرف أنه ضحك كالبكاء، ثم قلت بعد صمت الضحكات
ـ سأفكر كثيراً في مسألة فشلي من عدمه وبعدها أقرر مسألة الجيم هذه
ذهبت ليلى بعد تليفون قصير من ابنتها، وبقيت مع ريهام لأسألها بعد تردد قصير
ـ وما أخبار هاني؟ هل حادثك بالأمس
فردت ذراعيها على اتساعهما لتتمطى وقالت
ــ يقول إنه أوشك على تطليق زوجته بناء على طلبها، لكنه يؤجل طلاقه في انتظار استقرار حالة والدتها الصحية، يبدو لي ملاكاً، وأجدني أصدقه، فقد حكى لي من قبل كثيراً عن جنون زوجته وعصبيتها، ثم إنني أميل إليه، سأدع نفسي لتجربة زواج أخرى، لقد مر وقت طويل منذ طلاقي، ما رأيك أنت؟
ــ أنا؟، لا أملك إلا أن أقول إنك تحتاجين الزواج، لكن الاحتياج للزواج لا يعني المجازفة، عليك فقط إعطاء نفسك فرصة فأنت لا تعرفينه إلا منذ شهور
ــ رأيت منه أشياء جميلة يا سلوى، إنه ساحر، يعرف أماكن الأزرار، ربما هذا ما يدفعني إليه
ــ لعنة الله على الأزرار، أزراري أصابها العطب من كثرة الاستعمال…
ضحكات أخرى كثيرة، لكنها ماجنة قليلاً هذه المرة.