حسن عبد الموجود
اللوحة: الفنان البرازيلي أنطونيو باريراس
هذه هي المرة الأولي التي أكتب فيها عن شخصية لا أعرف اسمها ليس هذا لأنه شخصية عابرة ليس لها أهمية في حياة قريتنا بل لأنني اكتفيت أن أراقبه من بعيد وهو يلتقط قوته من فتات قرية تعيش على هامش الحياة.
مَنْ مِن أبناء قريتي يستطيع أن ينسى ذلك الجلباب الفضفاض الذى لا تكاد تعرف له لونًا لا لما ناله الجلباب من حظ وافر من الإهمال فحسب بل لكثرة ما به من رقع مختلفة الأحجام والأشكال والألوان.
تعودنا أن نراه في صبيحة كل ثلاثاء وهو يمرق وسط شوارعنا الضيقة الملتوية يحمل همه الثقيل وسبعين عامًا أو يزيد فوق كاهل مقوس يواجه الحياة ببسالة نادرة يلبس فوق وجهه المجعد قناعًا أسود من الشمس والطين والعرق، وفوق رأسه طاقيته الصفراء البالية التي تفضح شيبته البيضاء بذلك الشعر الذى يقفز خارجها هاربًا من ثقوبها المتناثرة.
آخر ما يتوقعـه إنسـان أن تكـون وظيفـة شخـص كهـذا أن ينادي.. ينادي وحسب.. وأن يكون مطالبًا على ما هو عليه من ضعف أن يُسمع القاصي والداني يمسك في يده المرتعدة سمكة واثنتين يرفعها بين آن وآخر فوق هامته وهو يهرول صارخًا.
(السمك عند الجمعية يا بلد.. البلطي بجنيه يا بلد).
لعلكم تسخرون من هذا المبلغ التافه الذى أدَّعي أنه ثمن لكيلو من البلطي أو تتخيلون أن ذلك حدث من زمن بعيد لكنكم إن رأيتم سمكنا المتواضع الذى يجمعه الصيادون من شواطئ بحيرة قارون ميتًا تكاد رائحة العفن أن تقفز خارجه لتعجبتم لذلك الزحام الشديد حول البائع الذى يبيع العفن لبطون رفع الجوع فيها رايته السوداء القاتمة و لتمنيتم معي أن تفلح القطط في سطوها على هذه القُفة الضخمة المملوءة بالعفن.
تزداد أعداد الناس حول القفة كلما واصل صاحبنا رحلته الشاقة كم كان يروق لي أن أراقبه وهو يجلس القرفصاء في ظل شجرتنا العملاقة يخفف من عناء سفره الطويل يخلع طاقيته الممزقة التي تكاد تقطر عرقًا ويلقي بها في حجره ثم يرفع إلي عينيه الغائرتين في رجاء طالبًا بعض الماء ثم ينصرف عني شاكرًا تاركًا رائحة السمك في الكوب والتي قد لا تفلح أمي في التخلص منها تمامًا ليتكم راقبتموه معي من فوق سور المسجد البحري المواجه للجمعية الاستهلاكية التي يباع عندها السمك وهو في نهاية المطاف عندما يعود عند الظهر إلي حيث بدأ هناك حول قُفة السمك العملاقة التي يختفي صاحبها حول أكوام من السمك والناس والقطط وهو يحاول جاهدًا أن يصل إلي صاحب القُفة لينال أجره لا أنسي أبدًا لهفته عندما التقم الجنيهات الثلاثة من ذلك البائع غليظ القلب الذى دفعها إليه في خشونة بالغة وهو يضربه بقبضة يده اليمني في صدره وينزع بيسراه في عنف بالغ السمكتين اللتين كانتا معه ويلقيهما في القُفة يضن عليه حتى أن يشارك أبناء قريته فيما بشرهم به من عفن.