المسرح.. معبد اللعب في تاريخ المدينة

المسرح.. معبد اللعب في تاريخ المدينة

زيدون الحلبي

تنطلق الفنون جميعها من حاجة الإنسان إلى اللعب، واللعب بالمفهوم العميق هو هدف النشاط البشري الواعي، وما العمل في بداياته إلا تجيير نشاط اللعب لسد حاجة أو نقص ما، ليعود الكائن البشري إلى توازنه الذي يمَكّنه من ممارسة الحركة والنشاط بحرية، وهو ما يمكن تسميته باللعب. 

وينطلق الفن بصفته لعباً – أي نشاطاً حراً – من محاولة التأثير في الطبيعة وتغييرها وفق فكرة متخيلة، سواء كانت هذه الطبيعة حجرا “النحت” أو لونا “الرسم” أو كلمات وأفكاراً “الشعر” أو “مشاعر إنسانية” المسرح. 

ولعل المفهوم الديني الذي نظر إلى الحياة على أنها “دنيا” وقِصيرة، مقابل الآخرة الأبدية، وما تركه من ظلال في الوعي البشري، والأدوار التي نجد أنفسنا مضطرين إلى لعبها في هذه الحياة القصيرة هي التي أوحت بفكرة المسرح، حيث كانت الخشبة الأولى هي واقع الحياة، والإنسان الفرد هو الممثل والمخرج والمشاهد؛ وهكذا حتى ضاقت هذه الخشبة الواسعة سعة الطبيعة إلى ساحة محددة في المدينة، ثم خشبة أو حيز محصور، يلعب عليها بضعة أفراد أدواراً تحاكي الأدوار التي يلعبها البشر في الواقع، ويقدمون بذلك حكاية أو مصيراً أو حادثة. 

والعلاقة بين الممثل والمتفرج ملتبسة، فكلاهما يلعب دوراً مهماً، وكلاهما متفرج أيضا؛ فالممثل يسعى إلى تقمص شخصية محددة ليقدمها إلى الجمهور، وليقدم من خلالها أفكاره ومشاعره. بمعنى آخر يقدم الممثل شخصية المتفرج، ويشاهد المتفرج في الممثل ذاته، أو جزء منها، وهكذا تتكامل اللعبة، وينشأ عقد بين الممثل والمتفرج يسمح لكليهما باللعب بحرية؛ الممثل يصور المتفرج الغائب ليُضحك الحاضر ويحزنه، والمتفرج يتسلى بالضحك على الشخص المتواري بالممثل ويشاهد بؤسه وألمه ويعطف عليه. كل منهما يستمتع بحرية بفضاء اللعبة، فينغمس الممثل بتقليد الشخوص، وبمقدار ما يغيب ويضمحل فيها بمقدار ما يُستحسن عمله ويعلو شأنه، وينغمس المتفرج بمشاعره المتخيلة وبمقدار ما تجيش وتتملكه بمقدار ما يتقن اللعبة وترتفع ذائقته؛ وهكذا يتطور المسرح ويصبح من أركان المدينة، إلى جانب المعبد والمدرسة والسجن وقصر الحكم.

الانزلاق في اللعبة 

يدرك المتفرج أن هذا تمثيل ولا يمت إلى الواقع بصلة، لكنه يُقبل على ذلك ويحاول جاهداً أن يقنع نفسه أن ما يراه حقيقة، وهكذا تتكون لديه مشاعر معينة، فيضحك ويبكي وينفعل، وهو يدرك أن كل هذا مجرد لعب لوقت محدد وقصير، لكنه منزلق في اللعبة ومستمتع بها، لا بل يجاهد أحيانا ليؤدي هذا الدور على أكمل وجه. 

والممثل يدرك أن ما يقدمه مجرد محاكاة، وأن المشاهدين يعرفون ذلك، لكنه يحاول أن يؤثر فيهم، ويتفرج بدوره على مدى نجاحه في إضحاكهم وإبكائهم، فكل طرف يتفرج على الآخر وكل طرف مشارك في اللعبة التي لا تكتمل إلا بهما. 

يتواطأ الجميع على اختصار الحياة إلى حكاية وحركة وتمثيل، وعلى اختصار المدينة إلى مجموعة شخوص لتريهم حقيقة النفس البشرية في مواقف مختلفة. 

المتفرجون يتفرجون على أنفسهم وقد صاروا جزءاً من الحكاية، ويتفرجون على مدينتهم وقد صارت خشبة. 

وإذا استعرضنا تطور المسرح منذ بداياته، نجد أن الإغريق كانوا أول من أقام مسرحاً في العالم، فقبل الإغريق يبدو أن المسرح لم يكن معروفا، ولعل هذه النقطة بالتحديد تحتاج إلى دراسة أكثر، لأن تاريخ المدينة يعود إلى ما قبل الإغريق، كالمدن البابلية والمصرية والسومرية والآرامية والكنعانية؛ والمسرح ابن المدينة وصنوها. لكننا نعتقد أن المشكلة هي بالشكل المتعارف عليه للمسرح، الذي لم يكن موجوداً ربما في المدن ما قبل الإغريقية. 

والمسرح الإغريقي كان متطوراً بما يكفي لأن يضع قواعد محددة يسير عليها المسرحيون، والجدير بالذكر أن هذه القواعد بقيت سائدة ومعتمدة حتى القرن السادس عشر الميلادي، حيث بدأ المسرحيون آنذاك بالخروج عليها وأشهرهم شكسبير. 

لقد اعتنى الإغريقيون بتقعيد كل شيء ووضع القواعد والأحكام له، بدءاً من المسرح وانتهاء بالشعر والحرب والدولة. 

انسحاب المخرج

والدارس لتاريخ المسرح تستوقفه علاقة المخرج بالمسرح، حيث تطورت هذه العلاقة دائماً باتجاه إبعاد المخرج، إلى أن وصل المسرح إلى المرحلة التي استغنى فيها عن المخرج كليا قبل عودته في العصور اللاحقة، حيث أصبح المسرح منظماً بكليته من تمثيل وكتابة وديكور وحوار وأداء وحركة وإضاءة… الخ. 

ولعب الشاعران اسخيلوس وسوفوكليس كل في عصره، دوراً مهماً في تطور المسرح الإغريقي، حتى أصبح الدارسون يؤرخون لمراحل تطور المسرح بهما، فيقال المسرح قبل اسخيلوس وبعده، والمسرح قبل سوفوكليس وبعده وهكذا. 

والمسرح الإغريقي القديم هو ما يعرف عند الباحثين والأكاديميين بالمسرح الإغريقي ما قبل اسخيلوس، وقد تميز هذا المسرح بأن الشاعر صاحب النص أو الحكاية، والممثل صاحب الأداء، هما شخص واحد يؤلف نصه ويلقيه على الجمهور؛ أي كان المسرح لمَّا يزل منبراً متّسعاً، بحيث يصعد إليه شاعر يمثل قصيدته إلى حد ما. ولعل هذه البداية للمسرح تفسر نشوءه في مرحلة لاحقة، حيث صار من الضروري تخليد ذكرى المعارك والأبطال، وتكريس صورهم البطولية في الأذهان، إضافة إلى رواية قصص الآلهة وحكمتها، وقصة خلق العالم وتسييره. 

ثم جاءت مرحلة اسخيليوس، الذي كان له الأثر الكبير في تطوير المسرح الأغريقي، فصارت تضم ساحة التمثيل شخصان هما الشاعر والممثل في آن، حيث يلقي الشاعر قصيدته ويمثل الممثل الدور، فانفصل الممثل عن الشاعر؛ والشاعر هنا يمثل الكاتب والمخرج في آن، والممثل هو الفرقة المسرحية، فكانت هذه الإضافة التي تمت في عصر اسخيلوس تطوراً كبيراً في تاريخ المسرح، واستمر المسرح الإغريقي على هذا النحو إلى أن جاء الشاعر الكبير سوفوكليس ،فأضاف ممثلاً ثانياً، فصار الشاعر يخرج مع الممثلين إلى المسرح، ثم ينسحب لينضم ممثل ثالث يؤدون الحركة. 

هذه الإضافة التي أضافها سوفوكليس مهمة جداً، حيث بدأ كاتب النص وكذلك المخرج ينسحبون من خشبة المسرح، وصارت الخشبة مخصصة أكثر فأكثر للممثلين فقط. 

وهكذا وصولا إلى المرحلة الأخيرة من تطور المسرح الإغريقي، وهي مرحلة ما بعد سوفوكليس، حيث كف الشعراء عن الظهور مع الممثلين، وتعزز الفصل النهائي بين الشاعر والممثل، وصار الشعراء يكتفون بإخراج رواياتهم بالطريقة التي يحبون. 

هنا نصل إلى غياب المخرج وكاتب النص عن الخشبة، فأصبحت للممثلين وحدهم بعد تدريبهم؛ وانحصر دور الكاتب بإخراجه لروايته والإشراف عليها؛ وظل المسرح الإغريقي يتطور حتى استغنى عن الإخراج نهائياً؛ فصار الممثل يقدم الحكاية من أي مصدر ويتصرف بها من دون الحاجة إلى كاتب نص أو صاحب رواية للإشراف عليها وإخراجها وتحديد طريقة العرض. 

لكن كيف كانت تقدم المسرحيات؟ وكيف كان شكل المسارح الأولى؟ وكيف تطورت لتصل إلى ما وصلت اليه من عناية في التصميم والبناء، ومن ضرورة معمارية في تصميم كل مدينة في العصور القديمة؟ حتى نكاد لا نرى مدينة قديمة إلا ومدرج كبير للمسرح يتوسطها؟

تاريخ الخشبة 

في البداية، قُدمت المسرحيات البسيطة في ساحات عامة للمدينة، حيث يجتمع عدد من المشاهدين ويقوم الشاعر الممثل بإلقاء روايته وتمثيلها على ضوء المشاعل المحمولة والمثبتة، فلم يعتن الإغريق كثيرا بالبناء المعماري للمسرح؛ لقد كان المسرح جزءا متداخلا في حياتهم، ونشاطا بسيطا يقام في المدينة في كل المناسبات والأعياد؛ ثم قام الرومان وهم المشهورون بالأبنية الحجرية الضخمة والمدن الدقيقة التصميم، ببناء منصة للمسرح تحيط بها مدرجات حجرية للجمهور؛ وهكذا بدأ يتطور بناء المسرح إلى أن وصل إلى تحف معمارية ضخمة وباقية على مر الزمان، كمسرح بصرى الروماني في سورية، ومسرح جرش الروماني في الأردن، والمسرح الروماني في الإسكندرية، وصار المسرح جزءاً رئيساً في تصميم المدينة وبنائها، ولا يقل شأنا عن دار الحكم (قصر الملك) أو دار العبادة (المعبد)، بل كثيرا ما كان يفوقهما ضخامة وعمارة. 

والإغريق هم أول من وضع القواعد للمسرح كما قدمنا، والتزموا القواعد الأساسية وهي وحدة الزمان في المسرحية، ووحدة المكان ووحدة الفعل؛ واستمر الاغريق ملتزمون هذه الثوابت التي سميت في القرون اللاحقة بالقيود المسرحية الثلاثة؛ واجتهد المسرحيون المبدعون في الخروج عليها، وكان شكسبير من أهم من خرجوا على ما سمي بالقيود المسرحية، فقد ضمّن مسرحياته أكثر من عقدة ثانوية وأكثر من قصة وحكاية ثانوية، وحطم وحدة المكان حيث كان أبطاله ينتقلون ويغيرون أمكنتهم. 

صعود الناس إلى الخشبة 

وظهر في القرن التاسع عشر – وكان قرنا عاصفا حيث امتاز بمراجعة فكرية شاملة على مستوى العالم آنذاك – ظهر المذهب الواقعي الذي يحاول تصوير الواقع وتقديمه، ولا ننسى أن القرن التاسع عشر كان قرن تحطم الارستقراطيات لمصلحة القوى الاجتماعية والسياسية الشعبية الصاعدة؛ فجاء المذهب الواقعي تعبيرا فنيا عن ذلك، وصعدت قضايا الناس وهمومهم إلى المسرح؛ ثم ظهر مذهب الطبيعة الذي قلل من عناصر العقدة والحركة واعتمد أكثر على منولوج الممثل الواحد، كما كسر زخرف البلاغة المتصنعة في الحوار، ليصبح الحوار أقرب فأقرب إلى لغة الشارع؛ وتابع المسرح تطوره وارتباطه بالمناخ الفكري العام، وصولا إلى مسرح العبث بعد الحرب العالمية الثانية، كرد فعل على متاهة الإنسان التي خلفتها الحروب والدمار والعنف. 

تتطور الفنون جميعها لتعكس أحلام الإنسان وتوقه الكبير ومشاعره ووجوده على هذه الأرض، والمسرح هو مجمع الفنون جميعها، وقد ارتبط تاريخه بتاريخ الحضارات والمدن، حتى صار في أبهى عصوره ركن المدينة السياسي، ومازالت المسارح الحجرية أكبر الأبنية في المدن الرومانية الباقية.  


مسرح بصرى - سورية
مسرح بصرى – سورية
مسرح صبراتع - ليبيا
مسرح صبراتع – ليبيا
مسرح دوجا - تونس
مسرح دوجا – تونس
مسرح عمان - الأردن
مسرح عمان – الأردن

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.