خاطرٌ كنت أداريه أنا..

خاطرٌ كنت أداريه أنا..

د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنان السوري خالد الساعي

سؤال ذهبى طرحه المرحوم الأستاذ “أحمد أمين” أوائل العقد الثالث من القرن الماضى، على صفحات مجلة “الرسالة”، لكن حاجتنا إلى الإجابة عنه الآن تشتد بحكم التطور الكبير فى وسائل التواصل، والتزاحم الكبير فى التعبيرعما يرى أصحاب الأقلام وغير أصحاب الأقلام، أو يعتقدون.

أنت إذا “رأيت” الرأى، فقد أدخلته فى دائرة معلوماتك، وأما إذا “اعتقدته”، فقد “عقدت عليه قلبك” فهو إذن يتدفق فى دمك، وينطلق فى كيانك وهو يضبط بوصلتك ويحدد اتجاهك.

صاحب الرأى، فيلسوف، يرى ما قامت عليه الأدلة اليوم، ويسلم بأن الأدلة قد تقوم على نقيضه غدًا، أما ذو العقيدة، فقد خرجت به عقيدته عن مجال التدليل، فهى الحق الآن، وهى الحق غدًا، وهى الحق آخر الدهر.

ذو الرأى – عزيزى القارئ – فاترٌ بارد، والآخر متحمسٌ متفجِّر، عقيدته هى همُّ الليل، وهى همُّ النهار.. هو طلْق المُحيَّا متفائل كلما قارب غايته، والناس يحبون بل يخضعون لصاحب العقيدة، ويحسون به ملجأ أمانٍ يفزعون إليه من عاصف الأيام.

ذو الرأى ثرثارٌ معنىٌّ بقيام الأدلة.. مهتمٌ باستقامة الشكل المنطقى، فهو لا يزال فى سفسطته وجداله، حتى يجيئه صاحب العقيدة فيُبلِعَه حُجَجَهُ ولسانه جميعا.

العقيدة تفعم روح صاحبها وتضبط اتجاهه وتنظم سلوكه وتقرب البعيد من أحلامه، لأنه متفائل دائما بأن أمره كله له خير، فعقيدته تغنيه دائما عن كل برهان، ولو طلب بنو إسرائيل مثلا– وهم يصيحون بكل الفزع وجيش فرعون يحاصرهم من خلفهم وفزع الغرق يهددهم من بين أيديهم – لو طلبوا من نبيهم موسى صلى الله عليه برهانا أو دليلا منطقيا واحدا، على أن هناك بصيصَ أمل، ينقذهم من فرعون وعمله، أو يحميهم من البحر وهوله – لما وصلوا إلى شئ، لقد كانت السفينة الحقيقية التى حملتهم عبر أهوال الخوف، هى عقيدتهم التى أيقظها فجأة، ذلك اليقين الذى لم يتزعزع لحظة فى قلب موسى، إذ ردَّ فى جواب حاسم: “كلا إن معىَ ربى سيهدين”..وهل كان عند موسى نفسه ساعتئذ، إلا يقين لايهتز بأن الله كافٍ عبده وصادقٌ وعده، مهما خوَّفه قومه بالذين من دونه؟

ولو طلب الصديق أبو بكر رضى الله عنه دليلا واحدا على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فى حادثة الإسراء والمعراج، لانْفضَّ الكثيرون من أتباع الدعوة عن نبيهم، فالأمر ساعتئذ كان خارج كل منطق أو عقل.

 الموقف – أيها العزيز- فى حادث موسى وفى حادث محمد، وفيما أشبهه أو يشبهه مستقبلا من حوادث حياتنا – كان موقف عقيدة وإيمان، لا موقف منطق وبرهان.

قد يحدد الرأى، ولكن تبقى قيمته مرهونة بما يدعمه من يقين العقيدة.. وقراءة التاريخ والواقع تطلعنا على أنه ما هلكت أمة أبدا من نقصٍ فى الآراء، بل إن العكس هو الصحيح، فالأمم هلكت وستظل تهلك من نقصانٍ عقيدتها.

الرأى – عزيزى القارئ – جثة باردة هامدة، والعقيدة هى السر الأعظم الذى يدب فيها فجأة، فيطلق فيها الحياة والحرارة.

الرأىُ سديمٌ يتكوَّن، والعقيدة نجم باهرٌ يخطف القلب، ويملأ العين، ويُفعم الروح بالأمل. أما العقيدة فهى التى تزلزل الجبل، وهى التى تثبت اليقين، فتلوى عنق الدهر.

لقد رأيت وكنت واحدا من ضباط حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر1973، رأيت بطلا مصريا يتخفى ملتفا ببعض أغصان الشجر، يعبر القناة فى شجاعة تهز القلب، وفى عقيدة تهد الجبل، يسبح وقد تغطى بالأغصان كأنه شجرة يتقاذفها الموج حتى بلغ النقطة المناسبة تحت مدفع صهيونى رهيب، كان يرهق عملية العبور فى هذه النقطة القريبة من “السويس”.. الرجل يفجر الموقع الصهيونى ويتفجر هو معه، شظايا بطل تنهضُ قصة دراما عملاقة فى ذاكرة الجهاد والوطنية والشرف المصرى، لأنه يفتح الطريق واسعًا وآمنا ً أمام أبطال العاشر من رمضان فى هذا اليوم الذى كانت فيه مصر والعرب حينئذ يجتازون الأمس، وتجاوز هامتهم أهداب الشمس.

 كتبت فى مذكراتى أيامها كلاما طويلا، كان منه:

إيهِ مصرٌ كم على حبك قدْ

وقَّع الأحلام أنغامًا هنا

حسدتْ حبك ليلى، فانحسدْ

خاطر كنتُ أداريه أنا

فقضى للحب تهفو شفتاهْ

مثلما يقضى على الحب نبىّْ

إيه ليلى حب مصر قد طواهْ

لك يا ليلى العزاء الأبدىّْ

وبكت عيناىَ للمشهد، آهْ

لستُ أدرى أعليهِ، أم علىّْ !

الرأى – عزيزى القارئ – يخلق المصاعب ويتحسب للشبهات، ويرهقه الإفراط فى الحذر، فهو من هنا يحمل على التوجس والتردد، والعقيدة تزلزل الجبال، وتلوى عنق الدهر، وتمضى كالشهب فى السماء، ثم تفرض واقع الحقيقة على الأرض.

ليس من نقص فى الآراء – عزيزى القارئ – تعطلت نهضتنا نحن العرب، ففينا ما ترى من جيوش الفلاسفة والمثقفين والمؤلفين والعلماء وأصحاب الرأى، وحالنا من الهوان والانحطاط ما أنت به أعلم.

 تعِـبٌ قـلـبىَ يـا ربـَّــاهُ فـاكتـبْ لـبــــــلادى

 رحمـة ً تستوعبُ الحىَّ وتسرى فى الجمادِ

 يارب.. هبنا إيمانا كالذى تمناه عمر بن الخطاب.. لقد كان – رضى الله عنه وأرضاه – يطلب إيماناً كإيمان العجائز.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.