نشارة خشب

نشارة خشب

ريما إبراهيم حمود

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

 يراودني لأستكين، أخضع رقبتي لسكين لسانه المسننة كمنشار مثلوم، يريد أن يقبض على عنقي تحت ذراعه ثم يرميني أرضا و يلحق بي الضربة القاضية التي ستصنع منه بطلا مغوارا و رجلا أحرز نصره الأكبر في إخضاع امرأته.

 يريدني أن أختفي، أكون له ولا أكون للحياة، أنجب له البنين، أحسن إعداد طعامه، أمسح حذائه الملطخ بطين الشتاء، ألمع المرايا التي يعشق وجهه فيها، أكنس السجاد وراء حذائه الذي يتمشى به طوال اليوم ليتفنن في إذلالي، ألصق ابتسامة عريضة جدا كلما زارنا أحدهم، أرتدي نقابا أخفي به كراهيتي له حتى عن النساء.

 ابتلعته، كنت أشرب كثيرا من الماء لأستطيع ابتلاع صوته، هضم رائحته التي لا تغطيها عطور فرنسا كلها، عودت رأسي على الإيماء بالموافقة رغما عني، أمرت يديّ أن تلتزما الصمت فلا تردان له صفعته لي أو لصغيرتي التي أختبئ و إياها في غرفة حتى يهدأ، غرزت في قدمي مسامير الكلام الذي سيهطل لو قفزت من النافذة هربا منه، أعلنت الصمود رافعة ذراعي لأغطي بهما رأسي أتقي أية ضربات أو رفسات أو صحونا طائرة.

 الأحمق، يعلق على الحائط المقابل لباب البيت شهادة الدكتوراه، يلمّعها، يلفُّ قدما على قدم فارداً جناحيه القصيرين على ظهر الكنبة من ورائه، يرتفع بنطاله كاشفا عن جوربيه الأبيضين الناصعين يطلّان من تحت حذاء أسود مدبب الرأس لمعّته له ليلة البارحة بالشمع و البويا. 

 ينفث سيجارته قطارا يقتات الفحم، يطفئها في طرف المنضدة متظاهرا بعدم الانتباه، يسرق من كل الحضور عقولهم بذكائه في الحوار و المناقشة، يحوّل المجلس إلى ساحة يركض فيها يطعن و يقتل و يغرز رايته على قمة رأس كل مستمع، وبعد أن يرحل الجميع يعلن انتشاءه بانتصارات ساحرة تليق بوسامته و شهادة الدكتوراه المؤطرة بخشب فاخر ذهبي اللون. 

 أقف فوق رأسه كل ليلة، أتساءل: هل تمنيت ألا يستيقظ أبدا ؟ 

 أقرر أن أصمت حتى تطول أجنحتي و تتسع لصغاري و السماء. 

 أجمع ما تناثر من روحي، أختلس منه رضا مصحوبا بالكثير من الاشمئزاز لأعمل، أخترع عملا، أفتح لروحي و لصغيرتي منفذا في سوره القاتم، أنقب في هذا السور كل يوم بأظافري، أتظاهر أمامه بالفشل و الضيق لأترك له لذّة السيطرة. 

 تتسع الفجوة في السور، أمسك بيدي أوراق مشروعي الصغير فرحة، أجهز كل حقائبي للرحيل، أقبض في كفي ثمن حريتي، أفتح نوافذ صمتي على الناس من حولي وحوله ليدركوا أي كائن مشوّه هو، أترك لهم حرية الحكم عليّ و عليه، يكذبني المسحورون بلباقته و روعة لسانه و طرحه، يهز المصدقون رؤوسهم حزنا و يحوقلون، ينصحني المستكينون بالاستكانة، و أنا لا أتوقف لحظة عن تخيل عالم لا يكون فيه.

 حتى سمعت صراخ طفلتي هلعة، ركضت إليها لأجده يحملها من ثوبها إلى ما فوق رأسه يصرخ بها و يلعنها، يصفرُّ وجهها بسنواته الثلاث، يلقي بها إلى الأرض فأتلقاها بين يدي. 

 أخبئها في غرفتي، أقفل الباب، أخرج إليه مجنونة ثائرة، ينتفضُ لصدّي، يرفع يده ليصفعني، أقف أمامه صامدة، أشعر بروحي تشتعل، وبه يصغر و يضمحلّ، يهوي بكفه يريد وجهي، أهوي بكفي أردّه، يُذهل، يتراجع للوراء، يصطدم بشهادته المعلقة وراءه، تسقط، يتفتت إطارها الذهبي كاشفا عن نشارة خشب تنتثر تحته، يلتقطها عن الأرض و يهرب بما تبقى من رجولته.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.