مجذوب.. ومضرب المثل

مجذوب.. ومضرب المثل

محمود حمدون

اللوحة: الفنان النمساوي إيغون شيلي

حقًّا، لم يمت أنور، بل هو حيّ ما بقيت السماوات والأرض، ما ظلّت قلوب تخفق في الصدور، عرفته في أواخر أيامه بالدنيا، بأسماله البالية، بنظرته الخالية من أي معنى، بذلك الزيغ والتيه الذي يرتع فيهما، شدّني إليه هاجس خفيّ.

 فاقتربت وسألت بفضول، فبدا ليّ جزء من حياته تتضح معالمه أمامي، شاب يافع، يُقبل على الحياة بصدره، قيل أنه لم يعبس أبدًا، حاضر النكتة والبديهة دومًا.. حتى يوم وقع صريع الهوى، ذلك قول عجوز التقيتها، قالت ليّ: لا تصدّق أنه أصيب بلوثة عقلية جرّاء ما شهده من أهوال الهزيمة.

 بل أصابه لحظ “غجرية”، مرّت بجواره ذات يوم، فسار وراءها، من بعدها صار صريع هواها، فانجذب إليها بعد عقل ورصانة، ضلّ بعد رُشد عُرف عنه، لن يُجهد المار نفسه في معرفته، فجلبابه المزركش دالّ عليه، شروده الدائم..

 قالت العجوز بعد أن تنهّدت: كنت أراه يهيم على وجهه، ينطق باسمها على الملأ، وهمسًا لنفسه، فَعَذَره من عذره، سخط عليه من سَخَط، ثم تركه الجميع لشأنه.

ثم تركتني العجوز على ناصية شارع، يفصل بينّي وبين أنور نهر الطريق، وقد تشابهت الغوادي وإن تباينت الملامح.

مضرب المثل

بعيدًا عن نطقه السليم للغة العربية، صوته الرخيم، كانت أناقته مضرب المثل بيننا، حُلم العابرين من بوابة المراهقة لعالم الرجولة.

كنت ألتقيه صبيحة كل يوم، عند جلال بائع الجرائد، يشتري “الأهرام”، تحت ابطه كتاب. وعادة لم يبدّلها، أن يمسح نظارته بطرف سترته، ثم يتصفّح العناوين الرئيسة للصحيفة، قد يموج بوجهه آيات من امتعاض أو أسى أو جمود.. ثم ينصرف لعمله.

سألت “جلجل” عنه ذات يوم، قال وهو يشيّعه بنظرة فخر: ذاك رجل من الزمن القديم، مثقف من طراز رفيع، ثم أسهب في إسباغ صفات لم أسمع أنها التصقت بأحد من قبل، فتعجّبت، عاجلته بسؤال بآخر: ما عمله؟! ما سر أناقته تلك؟!

تحسّس البائع  صدره بيديه، سحب شهيقًا طويلاً، حتى ملأ رئتيه ثم علت وجهه ابتسامة كبيرة و قال: ذاك رجل من الزمن القديم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.