بثينة الدسوقي
اللوحة: الفنان الإيطالي جياني سترينو
عودة حميدة إلى كوني امرأة، إلى التزيُّن والتجمُّل والجلوس على مقعد مهجور أمام مرآة فقدت القدرة على الرؤية منذ زمن، لم تقبل بانعكاس الصورة، وكانت تمارس عِنداً مستغرباً وجوده فى جماد، لكنها الآن قررت أن تراني وتعكس لى صورة مُشوَّشة وأنا أحاول باستماتة بعث الحياة فى طلاء الشفاه اليابس، ومعالجة مكحلة أمى النحاسية القديمة التى أغلقت أبوابها دون جفنيّ، اهتزت الأشياء فى يدي وخانتني أصابعي المرتجفة قليلاً، وجاءت فى النهاية النتيجة مُرضية لمن فقدت صورتها طويلاً.
أنت أجمل من التزيُّن يا جميلة
أنت
تزدان بك الزينة
وتغار منك أجنحة الفراشات
عيناك بئرا حياة
وثغرك والشفاه
وقدك وجيدك
جميعاً بلا زينات
عبيدك
فكونى قريبة رقيقة
بلا شخبطات
قطعة السكر البللورية المكعبة الشكل، تلك ذات الأبعاد الحادة والحبيبات الملتصقة فى تماسك عفوي أو قسري جميل، أُلْقِيَت فى كأس الماء منذ سنوات طويلة أتت عليها، تآكلت الأبعاد رويداً رويداً وصارت ناعمة الأطراف، تسللت إليها ذرات المياه وباعدت بين حبيباتها التى استقرت فى قاع الكأس راضية بالذوبان والإنتهاء
يا قطعة السكر
لعلك تعلمين عشقي
وترتوين مني
اعلمي.. إنى أحبك أكثر
وأنا من يرتوي منك عنبر
إنك زاد لا ينتهي
وقلب نابض باسمي
ليته ينبض أكثر
كان يُذيبني، وكنت أدرك وأسعد، لملمت حشود كوني “أنا” وصرت “هو” بكل ما يبغي وأكثر، العشق فى عينيه يحمل لى حياوات جديدة كل يوم وسنة، ولكن.. هل العشق يكبُر؟ هل يشيخ ويترهل؟ طالت جلستي أمام مرآة صامتة كاد يُنطقها شىء لا أعيه، تشاغلت عنها بتصفيف شعرى ونظرت إليه لأتذكر أول مرة ذهبت لتصفيفه كالنساء، ومعى “زينة” رفيقة الطفولة والصبا، كم سعدنا بأول مرة نكبُر فيها ونذهب للتزيُّن، أين تاهت منى “زينة” التى أراها الآن صغيرة صغيرة، وأين ذهبن باقى الصديقات؟
كرهت الرثاء، الإحساس بالرثاء على النفس مؤلم كغرس إبرة فى جلد حي، عندما فطنت لهذا الأمر قديماً قررت أن أُميت إحساسي، وأن أُميت جلدي كيلا يحس وخزاً
عندما دق بائع الورد الصغير باب البيت حاملاً إلىّ باقة ورود حمراء وبطاقة بلا اسم تحمل كلمة “أحبك”، قبَّلت الوردات، ضممتها كأنى أضمه، وجاء بائع الورد بعد قليل معتذراً، حاملاً الباقة لبيت مجاور.
خطؤك أيها الصغير أنك منحتني أملاً منه، ثم تراجعت، هل لى أن أضحك عندما أشعر بالوخز؟
فعلت، تسلحت بقرارى، وضحكت
آه لو تعلمين
يا وردة فوق الجبين
أن الورود جميعاً تموت
وأنت وحدك
على جبيني تُزهرين
ما الذي تعنيه باقة
أو ياقوتة براقة
أنت أزهى وأثمن
لو تعلمين
طالت جلستي أمام المرآة وقد وضحت لى الصورة المنعكسة، أحسست بتعاطف المرآة هذه المرة، والتمست لها العذر على تشويشها المتعمد، فهى تعكس الروح، ليس إلا.