نوارس

نوارس

ريما إبراهيم حمود 

اللوحة: الفنانة البولندية تمارا دي ليمبيكا

 إلى الحافة اتجهت، في منتصف الطريق إليها خلعت حذاءها الأسود المسطح، أرض السطح مفروشة بالحصا المدبب الذي لم تكترث به، وضعت يديها على السور القصير للبناية ذات الطوابق الست، شدّت جسدها فوقه، تشبّثتْ بالعمود المعدني الصاعد من زاويته، احتضنتُه بذراعيها، نظرتْ إلى الأرض، مدّت قدمها اليمنى في الهواء البارد، أعادتها، قررتْ أن تجلسَ فوق السور وقدميها خارجه، أمسكت العمود بيدها اليمنى، أرجحت قدميها في الهواء، غنّتْ بصوتٍ عذبٍ سرى في هدْأة الليل ناعماً رقيقاً.

 رفع أحد المارة رأسهُ للأعلى فرأى قدميها المتدليتين من الحافة فوقه، صرخ بها:

  • هيه.. أنتِ انزلي.

 لم تسمعه، الغناء الذي أَرْجَحَتْهُ مع قدميْها غطّى على كلِّ الأصوات التي قد تأتي من الأسفل.

 أخذ الرجل يصرخ ويلوّح بيديه في الهواء، يقفز، يناديها، جمع من حوله المارة، رجالا ونساء، أطفالا يلعبون في ساحة البناية، عمّال النظافة، السيارات العابرة من ذلك الشارع، وقفوا جميعا في الأسفل، ضجّ الرجال، شتمتها النساء لأنها لم تكن تلبس بنطالا يستر ساقيها، وشعرها يتطاير طويلا فوقهم، الأطفال ضحكوا، بعضهم دسّ وجهه في ثوب أمه.

 أخرج الضجيج حارس البناية، وقف بين الناس، أشاروا إلى تلك المعلقة على السور، صُعِقَ، أخذ يصرخ بجنون، قفز فوق ظهر سيارة أشار إليها، اتصلَ بالشرطة.

 الجلوس على السور ومداعبة الهاوية، أثارا فيها إحساسا بالفرح ظهر على شفتيها أثناء الغناء، أفلتت العمود من يدها، حكّتْ رأسها فشهقَ الجميع في الأسفل رعبا، تمسكتْ به مرة أخرى، صمتوا، فتحت حقيبتها الكبيرة، أخرجت زجاجة عطر، دفترا مزخرفا، وقلما أرجونيا، صفتهم فوق الحافة بجانبها، حدَّثتْهم آمرة:

  • أقفز.. تقفزون.

 وقفت فوق السور، بيدها اليمنى تمسكت بالعمود، وباليسرى فردت جناحا، رفعت صوتها بالغناء، رفعوا صوتهم بالصراخ، مدت قدمها اليمنى فوقهم، أخفضوا رؤوسهم، بعضهم لفّ رأسه بذراعيه وكأنها ستسقط فوقه، أعادت قدمها، رفعوا رؤوسهم إليها، مدّت قدمها اليسرى، شهقوا، انحنت النساء على الأطفال، نادها الجميع:

  • يا مجنونة، انزلي. 

 بقدميها رسمت في الهواء دوائر، غصّ الجميع بذهولهم في الأسفل، أفلتت العمود من يدها، فردت ذراعيها نورسا فوقهم، جنوا، لم يعودوا قادرين على مراقبتها والشمس فوقها تماما، النظارات الشمسية لم تف بالحاجة، لفت النساء الشالات السوداء على وجوههن فراقبنها من ورائها، الرجال أداروا ظهورهم لها وراقبوا الشارع منتظرين للشرطة.

 في تلك اللحظة التي وصلت الشرطة فيها، دفعت بجسدها في الهواء طار جسدها للأعلى حيث الشمس، علا غناؤها، شهقوا في الأسفل، ابتعدوا عن البقعة التي ظنوا أنها ستسقط فيها، هربت النساء مذعورات، وقف الرجال يراقبون جسدها الساقط للأرض بحسرة و ألم، ارتطم على الأرض بلا دوي ولا أصوات تكسر ولا انفجار، غطوا وجوههم كي لا يروا الدم المتفجر منه، كشفوها، كانت نائمة وسطهم على الأرض العارية، على وجهها ابتسامة، ذراعيها فوق بطنها، شعرها الفاحم مسّرح هادئ، وجهها الأبيض طافح بالرضا، وقفوا حولها يضربون كفا بكف، يحوقلون، أزاح أحدهم الناس من فوقها، نظر إليها باسماً:

– فَعَلْتِها!

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.