الوداع.. العواء

الوداع.. العواء

نورة عبيد 

اللوحة: الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي

يعود العيد، لا يكفّ عن العودة وفي كلّ مرّة يتسّع المدى ويشتدّ الصّدى

فدعني أخبرك – إن كنت تسمعني – لا يزال وطني يتمنّى العيد السّعيد لكافة المواطنين والمواطنات الأموات منهم والأحياء

ما زال وطني يهنئ الأمّة العربيّة والإسلاميّة بالعيد، ويتلو التّهاني ويحسو الأماني

 ما زلت يا أبي أهنئ الكبار بالعيد، وأنتظر أن يهنئني الصّغار ولكن هيهات وقبل أن ينكسر الخاطر، ينزل صوت وداد بردا وسلاما «عيدك مبروك تاتا»

كم في العيد قد مضى وأنت تصيّر الوجْنات ورودا، والبسمات محافظ ليوم لا يعود

عاد العيد مرّة ومرّات وحمل معه مغاني الحياة، وها هو يعود أتوسّل إليه ألاّ يعود وأبناء آدم في فتنة أشدّ من الفتنة
كنت يا أبي “مِدّب” تحفظ الأحزاب السّتين زرعت محبة

دعَوْك أن تكون إمام خمس فرفضت، دعوك أن تباشر كتّابا فرفضت كنت تسارع مع حفظة القرآن إلى تلاوته كلّما دُعيت أو لم تُدع

كنت كلّما هلّ هلال العيد برّاقا، تعود المعوزين، أمّا الميسورين فلن يعوزهم العيد

 كنت تألف صوت علي البرّاق على التّلفزة الوطنيّة فكأنّ صوته رمضان، ولا إفطار قبل ترتيله وقبل إعلان الآذان على التّلفزة الوطنيّة ففارق التّوقيت بين الولايات لا قيمة له، تصافي بين المتجافين ما زلت أذكر كيف أعدت شمل زوجين مختصمين قبل أن يضيء صباح العيد وكيف سقت ذاك إلى أبيه وتلك إلى فرحة العيد حين ألبستها الثوب الجديد، لم تكن تهتم بحلوى العيد ولكن ما مرّ عيد، ولم يكن لك فيه وقع وتوقيع

ألبستني المهجة وعجّلت الرّحيل، تبادلنا الحديث أعواما خاصّة حين كنّا قبل العيد نتحلّق حولك على قبر أمّي تحيّيها بآيات من القرآن الكريم ثمّ غبت في دهشة الوداع! لقد غاب في دهشة الوداع!

كأنّه لم يغب، وكأنّه لم يكن للتّوّ بيننا، جسد دمّيع، صلب وبارد متحلّق حوله الوجع، مرفرفة زوارق الذّكرى عابّة من عباب الوقت الضّائع في دنيا الغرور

الهمسات والضّحكات والصّخب والغضب آثار الاسم وألق الحضور
 
القرآن الكريم، آيات تشيّع الرّجل إلى صلاة الجنازة وشهقات الأحباب؛ الزّوجة والبنات والبنين، الأجساد المتراميّة ومناحة الغياب تنسج شبابيك الجنّة صحوة العزاء في الألم العتيد

أصوات تعجّ في خطف من مساريب الدّموع، ألسنا نؤمن بالآخرة هي تلك بدايتها أليس العمر ميقات؟ تلك هي نهايته ألستم من حزب اللّه؟ ذاك قضاؤه وتلك أسماؤه

إنّه غنيّ عن ذكر التّفاصيل؛ روح فارقة ونفس هادئة وأنين دفين لألاء المصابيح في غسق الفجر وهدوء الأضواء في لجّة السّهر.. توطئة التّباشير بالنّفس الوليدة من قدسيّ الكلام والرّوح الفريدة كأنّه لم يغب

 خلجات النّفس ونفاثات السّجائر وابتسامة الرّضا النّظرة الثّاقبة واهتزاز الكتف، سلام متقدّم وأصابع متورّدة بمصافحة حارّة تضغط على الكفّ تنير الرّوح من غبش الحضور

تلاقي وجنة الطّفلة وشفاه الأب لقبلات الدّفء في برد الغياب ارتماء الشّوق بين أحضان الفراق في عسر التّوقّع لردهة الوداع

ما حاجتي للرّوح الصّاعدة، والقرار كفن بين الأكفّ يحجب تفاصيل التّذكّر من وهج الحرقة والنّظرة الزّائلة؟

ما حاجتي للبقاء، والدّرب من لظى الحنين وفيض ارتعاشات التّذكّر المنار ببقايا الصّور؟

هناك مخّاض ارتفاع الجوهر إلى أعلى العرش، وهنا صدى حديث الوداع، واستشراف وصايا الحفاظ على النّسل ومكارم الضّجر

تلك صورته الأخيرة وهذا آخر ما نطق، أولئك أمنياته المؤجّلة وتلكم أحلامه المسافرة إلى الوتد

هذه منارته؛ الجلسة المسائيّة بين الجسرين؛ أعزّاؤه الغائبين وخلاّنه الحاضرين، حديث المساء الطّليق بينه وبين نور غيابه، شبيهته في المهجة والخلقة والسّمر

توأم الجرأة المتسلّل من خفاياه، كلماته التي لم يقلها رضعتها من حليب السّهر

بينه وبينها عشب الحياة وملح العرق، صورته في المذكّرات وشهد تجربته عناوين الكتب بين الرّفوف تضطرب

تشمّمت الرّائحة وتاهت فيه بصمت وعزّ، وحين قاربته وحدّثت عنه حماها الضّحك من الحياة على حافة السّمر

أنسا معا درب البقاء وأوصاها خيرا بتفاصيلها في سورة الشّعراء وحديث الجلالة والانتماء إلى الوطن كأنّه لم يغب

يضجّ بخفّة الحياة الّتي لا تحتمل، الرّجل القصير القامّة واسع العينين الخضراوين، الأهداب الكثيفة والجفنان الطّليقان، الأنف والفم الدّقيقان، الشّعر المُسوّى واللّحيّة المستويّة دون بياض عادات الغياب درب الصّباح بين الحقول ورجعة المساء بين أفول الشّمس وصدى آذان المغرب

 ذبابات الجمال، منابر الجزيرتين، ومآذن الخلود شارات البهاء تسابيح الكائنات الدّقيقة خلف تكبيرات الأب المهيب، تجمّع الحمامات والهديل في كفّ الرّجل القرير للنّقر وسرّ الحديث كأنّه لم يغب محتفلة على الدّوام بأسرار البقاء في فوهة المغيب أنهى القراءة ولم يصدّق ما حصل! كيف عنّ لها أن تكتب غيابه؟ كيف تجرّأت على موته تتذكّره ولا ترثيه؟ أيّ موعد كتبت والحقّ لم يدمدم؟ أراد أن يناديها لكنّه عدل عن ذلك لبس قشّابيته واتجه إلى جذع التّوتة التّي تتوسّط الخضرة المحيطة بالمنزل نظر إلى أغصان الدّوحة المتشابكة ثمّ مرّر يديه الرّقيقتين على اللّحاء المتقرّن الذي يغطّي ما تفرّع من أغصان مسنّة من جذع التّوتة العجوز كيف لهذا الجدع أن يحمل كلّ هذه الأغصان؟ كيف للأغصان أن تتفيّأ معلنة الانتماء للجذع و السّوق؟ ما أروع حياء الطّبيعة! كلّ الفروع للجذع تنتمي وتتفيّأ؟ كيف عنّ لابنته غيابه؟ هل ملّت شخيره و سعاله؟ هل ملّت حديثه المكرور؟ هل مجّت تذكّره الأموات قبل الأحياء؟ هل سئمت صحبته حتّى خطّت غيابه؟ عجّت الأسئلة بفؤاده العليل، فلم يقو على مغادرة باحة التّوتة، فاتخذ منبسطا عند جذعها يطلّ على حوض البئر المرتفع عن سطح الأرض كم سمح لها بالسّباحة في هذا الحوض بعد أن يملأه ماء و يعرضه لشمس الظّهيرة حتّى تعدّل برودته فتُقْبِل عليه شاكرة البحر الذي صنع كم كان يراقب سباحة اخترعت أمواجا، وصياحا حسب قاع الحوض أغوار بحر هائج كم كان يرى الخلود في الصّخب الذي به تجيء ها هي الآن تضجّ به، فتكتب غيابه نسي أن يَعُدَّ كم صفحة كتبت، كأنّه يرى حياته بتعداد ما بقي من كتابها أرسل تنهيدة كاليقين انتهت باستناد ظهره على ساق الجدع الرّئيس مال إلى اليمين مطلاّ على باب الوحش الحديديّ، ثمّ جذب طربوش القشابيّة إلى أسفل الجبين حتّى استكان لراحة طلبها

 كانت بمنزل أخيها المجاور تلاعب مهران الابن البهيّ، خرجت من الباب الخلفيّ للمطبخ تشقّ غرس البرتقال الذي يفصل البيت الكبير عن منزل الأخ الكبير ما إن بلغت شجرة اللّيمون العتيدة حتّى لمحت القشابيّة فشرعت في نداء لا ينتهي أبي، يا بابا، يا سيدي يا سي جميّل، يا يا يا لم يردّ عليها كعادته فعجّلت الخطو كاتمة النّداء وقبيْل أن تبلغ الجذع انزلقت قدماها عند بركة صغيرة فصاحت فزعة متألمّة، لكنّ أباها لم ينبس بحرف، ولم يهبّ لانتشالها كعادته أرادت أن تنهض بيد أنّ ألما حادّا منعها زحفت جارّة وراءها طينا لازبا مدّت يدها للقشابيّة فسقطت عليها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.