اللوحة: الفنان الروسي إيفان جوروخوف
“تعج الحياة بمفارقات لا حصر لها”.. بالفعل هذه هي العبارة المناسبة، حينما وقعت عيني عليها، وهي تفترش الأرض، أمامها سلال من خضروات، خلفها بضعة أقفاص تمتلئ بفاكهة عطنة الرائحة، انتبهت إليها وأنا أقطع المسافة من بداية “درب حرازة” حتى نهاية السوق عند جامع “النافع”.
بمنتصف الطريق المزدحم بالباعة والمشترين، وقع بصري عليها، “حورية” لا تتجاوز سنوات الصبا، شديدة البياض بشرتها، تنسدل خصلات من شعرذهبي من تحت “طرحة” سوداء متهرئة، وإن لا تزال تحتفظ ببقايا “ترتر وخرز” ملوّن، جلبابها الفلاّحي التقليدي بألوانه المبهرة، يُعلن بوضوح أنها “أفروديت” وقد تخفّت في زيّ بائعة، لها عنق سامق رخامي، ينتهي بنهر ينحدر بقوة بين هضبتين ناشئتين، يفقد من يقترب أو يغرف منه غرفة بيمينه، عقله.. ينتهي كل ذلك عند خصر نحيل حتى أنّي أوشكت أن أحتويه بقبضة يد واحدة.
ثم ارتفعتُ بنظري لأصطدم بعينين واسعتين، خضراويين، ينهمر منهما دمع كشلّال، كنت على وشك تجاوزها في سيري، إلاّ أن عبراتها التي تنحدر، أجبرتني على العودة إليها، قلت: لربما سُرق مالها وشقاء يومها!، لربما ألمّ بها ضرر، تخمينات هطلت على بالي بسرعة البرق، حتى سألتها: مالك؟
فرفعت نظرها إليّ، مسحت بكم جلبابها عينيها، قالت: “مفيش”
- فلمَ تبكين؟، ألا تدرين أن البكاء لم يُجعل لمثل هاتين العينين؟
بدا أنها لم تستوعب حديثي، لم تدرك مرادي، لكنها بحنكة بائعة تقتحم أسوار السوق منذ فترة، نحتت على وجهها لثوان ابتسامة خفيفة، ثم دارتها بطرف طرحتها وقالت: البنات، وأشارت حولها، فنظرت بدوري، رأيتهن يحدّقن فيها، يلقين بأسماعهن لالتقاط خيط الحديث الدائر.. ثم أكملت: يقلن أن عيني كعيون القطط، ثم انخرطت من جديد في بكاء أقرب لنحيب..
كنت أرقبها، أقول لنفسي، ما أشد بؤس إمرأة لا تؤمن بعطيّة السماء، وما أتعس فتاة، وُضع بين يديها حُسن، لم تقدّره حق قدره، وما أظلم أن يرزق المرء بمنحة، يعيّره قومه بها.. حديث دار بخلدي، حتى أخرجتني هي من جُب أفكاري بسؤال: أنا “وحشة”؟
عندئذ، لم أملك أن أجيبها، إلاّ بأن أزحت خصلة حريرية من شعرها الذهبي كانت تتدلّى على حاجبها الأيسر، ألجمت جماحها ووضعتها بين أخوتها، ثم داعبت أرنبة أنفها الإغريقي، بسبابتي اليمنى، وقلت لها وأنا أنقدها ثمن “حزمة بقدونس”، ستُخبرك الحياة، ستعرفين حينما تترك أنياب الذئاب ندوبًا لن تُمحى على جسدك..
رائعه من روائع استاذي العزيز محمود حمدون
إعجابLiked by 1 person