بثينة الدسوقي
اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس
يسألني: التل.. كلمة من أربعة أحرف أولها ألف وكاف
أجيبه: أكمة
لم يكن بيننا تلالاً فيما مضى.. كان كل شيء سهلاً فسيحاً.. ومشاعرنا تنساب كمياه الجداول الرقراقة.. أخلع نظارتي وأعيد تنظيفها بمنديل رقيق لعل التل يختفي عندما أعيد ارتداءها
يسألني: من أين أتيت بهذه الكلمة الغريية.. كيف عرفتِ بها وأنا لم أسمعها بحياتي.. لكنها صحيحة.. أكمة.. هل تعرفين مؤلف رواية دون كيشوت.. أوله سين وآخره سين
أجيبه: سرفانتوس
ينظر لي بدهشة ويقول: ربما سرفانتس بدون واو.. أليس هو من حارب طواحين الهواء.. هل قرأتِ هذه الرواية؟
أجيبه: قرأت تلخيصاً لها يوماً.. ولا أذكر مسألة طواحين الهواء بتفصيلها لكن أذكر أن سرفانتوس الكاتب الإسباني كتب هذه الرواية في القرن السادس عشر ليتحدث فيها عن إشكالية عدم توافق الإنسان مع واقعه وإمكاناته
يقول: هل سنبدأ باستخدام ألفاظ من نوعية إشكالية وباذنجانية..
أتذكر ما قرأته عن الرواية وبطلها، الذي تمكَّنت من تفكيره روايات الفرسان غير المنطقية التي قرأها كثيرا وأحالته لإنسان شبه مهووس لا تنقصه الشجاعة لكن ينقصه إدراك قواه الحقيقية.. أخاف من رؤية وجهي في المرآة.. ربما رأيت دون كيشوته.. هل ستودي بي أحلامي للجنون؟.. هل أكف عن قراءة كل كلمة كتبت عن الحرية والأحلام حتي لا تصيبني لعنة دون كيشوت فأركب حماراً وأصحب خادمتي وأهيم علي وجهي في الصحراء القريبة؟
يسألني: من الزهور أربعة حروف أولها نون
أجيبه: لا أعرف
إنه لا يعرف النرجس.. لا يعرف النرجس
يسألني: صرع.. أربعة حروف أولها جيم.. تري هل يقصد المرض نفسه.. جنون مثلا
أجيبه: الصرع غير الجنون
يرد: وجنون لا تصلح
أجيبه: إنه فعل.. جَنْدل.. ليس القتل فقط إزهاق روح أو سفك دماء.. القتل ربما كان يودي بقتيل على قيد الحياة.. قتيل حي.. القتل جندلة
يقول: تعرفين أشياء غريبة! جندل من القندلة.. أليس كذلك.. يبتسم يسألني: من الأشجار.. أولها الزاي
أقول: ربما زيزفون
يقول: هلا نزلتِ قليلاً من بين صفحات رواياتك وقصائدك إلي أرض الواقع.. هل توجد أشجار الزيزفون في غير الكتب؟
يعاودني دون كيشوت إذن.. فتحت الثلاجة لآتيه بكوب الزبادي فألمح حبات سوداء في علبة شفافة فأقول: زيتون.. أشجار الزيتون
يقول مبتسماً: نعم الزيتون.. وأيضا إنه النرجس.. هل تعرفين سن الشيب..
أربعة حروف أولها لام
أجيبه: هناك خطأ.. ميم.. أولها ميم.. مشيب وتمتد أصابعي لتتخلل شعري لا إرادياً..
يبتسم ويسألني: هل تعرفين بيتي
أجيبه: إنه داري.. أو منزلي أو.. لا أدري
يقول: كيف يحدث أنك لا تعرفين.. إنه بيتك.. وما هو الضوء الخفيف؟
أجيبه: بصيص.. صحيح؟
يسألني وهو يتأملني: هل تعرفين وعاء دموي من خمسة أحرف أوله شريان؟
أضحك.. وأصمت
يسألني: هل تعرفين نصف ‘حالة’.. ويعاود الابتسام
فأجيبه: وهل تسأل عن ‘نصف’ كلمة لا يري مكانها سواك؟
يرد مراوغاً: هل تعرفين.. متشابهان
أتنهد..
هل ما زلنا متشابهين؟