حنان عبد القادر
اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس
إن النماذج السلبية في مجتمعاتنا تزداد تفاقما وانتشارا يوما بعد يوم، والذي يزيد من وجودها أن تجد رب العمل أو القائم على المصالح العامة يضع المسؤولية على ظهر من يحملها، متكئا على قدرته في الإنجاز المتقن والسريع في نفس الوقت، متفننا في إجهاده وتحميله أكثر مما يحتمل، غير عابئ بما ينفقه هذا المجتهد من وقت وصحة ومال قد يكون بيته أحق به، فإن أخطأ عن غير قصد، أو تقاعست همته لمرض أو ملل؛ انهال عليه اللوم والتعنيف، وجوزي بالإفادات ولفت النظر عوضا عن كلمات الشكر المشجعة، والتي من فوائدها شحذ الهمم وإطلاق الطاقات، كل ذلك دونما النظر لما قدمه طوال خدمته من أعمال متقنة وإبداع غير مسبوق وكأن ما فات قد مات وغيبته القبور، فيمقت عمله، ويؤديه مجبرا دون إبداع، ويحاول أن يتحاشى مواضع التكليف، غير أنه من سمته أن يعمل ولا يرى نفسه إلا عاملا، لذا لا يحسن التكاسل، لكنما يؤدي العمل أداء الواجب لا الإبداع.
في حين نجده – أي رب العمل – يستنكف تعليم غير القادر أو غير المتفاعل كيف يؤدي مسئوليته، ويبتعد عن تكليفه بالعمل لرغبته في أدائه سريعا وعلى أكمل وجه، وهو يعلم أنه لن يحصل على بغيته من متكاسل، فيركن هذا للدعة، ويستمرئ الراحة، ويجد في الظل منامة مريحة، فطالما راتبه مقبوض آخر الشهر، وأموره تسير في أعنتها دونما تعب أو تكليف بمنغصات ينفق فيها وقته ومجهوده فبها ونعمت، وربما يبرع في ممالأة أهل المصلحة، وسلب عواطفهم بالمدح البراق، والكلمات الرنانة، فيصبح ذا حظوة وسطوة، ويأتيه التقدير من غير بابه، فتوارى سوءاته، ويدارى على بلادته، بل ويصبح على رأس القائمة في الإتقان والعمل دونما حق، فيصير بذلك عبئا نفسيا وماديا ثقيلا على العامل المجتهد وعلى العمل وآليته في آن، حيث يُعد يدا معينة لا تعمل وتكلف الدولة راتبا بلا مقابل اللهم إلا المظهرية الكاذبة.
تلك النماذج السلبية غير المسؤولة تؤدي إلى فساد المجتمع، وضياع هويته، وتأخر تقدمه، وتفسخ بيئته.
يقول أستاذنا محمد الغزالي: البيئة الفاضلة أثر أناس لهم شرف وهمة، والبيئة المائعة أثر أناس أمرهم فرط وأخلاقهم سائبة.
ويقول أيضا: إن محاربة الغش المعنوي أهم من محاربة الغش التجاري.
ألا ترى معي عزيزي القارئ أن مثل تلك النماذج ماهي إلا من قبيل ما أسماه أستاذنا بالغش المعنوي؟!
ماذا لو انتبهنا جيدا لهؤلاء، وأقصيناهم عن مناماتهم الوثيرة، ودفعنا بهم في خضم الحياة ومسؤوليتها؛ وجازيناهم قدر ما يبذلون من طاقة عاملة وليس بقدر ما يقدمون من كلمات معسولة، ليتعلموا أن الكسل ليس طعمه عسلا بل ينز علقما على أصحابه ووبالا لأهله؟!.
ماذا لو كافأنا المجتهد على جهده كلما أنجز عملا ولو بكلمة شكر تزيد طاقته الإيجابية، وتدفعه لمزيد من العمل والإنتاج؟!
ماذا لو تذكرنا لكل إنسان ما قدم في حياته من جهد خدم به زملاءه أو مؤسسته أو ساهم به في رقي مجتمعه، ورفعنا من ذكره بين رفقائه ولو بالكلمة الطيبة؟!
إذن، لارتقت أمتنا بنا، وسعدت مجتمعاتنا، وانطلقت طاقاتنا نحو الإنتاج المثمر، وتحمل المسؤولية.