مجدي البكري
اللوحة: الفنان النمساوي ألويس أرنيجر
(1)
دون قرار مسبق، دون تحضير أو استعداد، دون حقائب، دون هذه الطقوس المملة التي لا أسافر دونها نظرت من خلف زجاج شرفتي إلى هذا الطقس الرمادي الشاحب الذي يزيد شعور الناظر برودة ووحشة، تركت ستارة الشرفة واستدرت _ وعلى غير العادة _ ارتديت ملابسي في دقائق ولم أدقق في حلاقة ذقني وتصفيف شعري، لكني اخترت هذا المعطف الثقيل ولم أنس هذا العطر المعتق شديد الرجولة ونظارتي السوداء، أجريت مكالمة صغيرة، وصلت السيارة بعد دقيقتين، دخلت محطة القطار وفي شباك الحجز أدركت الكرسي الأخير، وصل القطار، وكالعادة أمام باب العربة رجعت خطوتين إلى الخلف وقدمت الجميع الذين يتكالبون عند الدخول منذ أربعين عاما.
خلعت معطفي وجلست في مقعدي الفردي، لم أخلع نظارتي ولم أفتح ستائر الشرفة كما تعودت سابقا، فردت الكرسي وظهري إلى الخلف وربعت يدي وعدت بذاكرتي سنوات وعقود حتى وصل القطار.
بقيت في مقعدي حتى انتهى تكالب المتعجلين، ارتديت معطفي ونزلت على نفس الرصيف القديم، رأيت وجوها مألوفة وسمعت أصواتا كأني أعرفها، خرجت من المحطة، كانت السيارة في انتظاري، وصلت بعد خمس دقائق.
وأثناء نزولي كانت رأسي تدور مع هذا السور الصخري القديم الذي أنهكه الزمن وعيناي تحدقان بداخله في هذا المبنى الصخري العتيق، وقبل أن يراني أحد ممن تبقوا من جيراني القدامى ويقطع علي اللحظة التي جئت من أجلها فتحت البوابة الحديدية العملاقة الصدئة ودخلت، مشيت في ممر طويل بين هذه الأحراش أتجنب التقاء عيني بها فأرى منها نظرات الحسرة والعتاب، فتنقلت عيني بين النظر إلى أسفل قدمي والنظر إلى هذا الصرح التاريخي الجاثم بين الأحراش الحزينة ومازال يقف صابرا يخفي مثلي شجونا وأحزانا وأصوات ضحكات وصراخات أطفال تلعب وتتناوش.
وقفت أمام العتبة الرخامية الفسيحة والسلالم الرخامية المتسعة التي تخبر الرائي بأن من بنوها كانوا كراما وينتظرون دائما أفواجا كبيرة من الضيوف والمريدين.
صعدت السلالم الصلبة الثابتة وفتحت البوابة العملاقة الثانية ودخلت.
(2)
شعرت أن صوت البوابة هذه المرة قد صار أكثر وحشة وتوحشا وأظنه ليس صفيرا، فقد كان أقربَ إلى نعيق الغربان! لهذا لم أغلقها كي لا أسمع ثانية هذا الصوت القدري المخيف.
خطوت أول خطوة ولم أندهش ولم أتأفف حين استقبلتني خيوط العنكبوت التي حاولْتُ إزاحتها بيدي اليسرى فعلقت بأكمام معطفي الكحلي وهي تلمع كخيوط الفضة تحت شعاع الشمس القادم من خلفي ومن أعلى رأسي حيث مشرق الشمس التي تضيء منذ مئة عام هذه الواجهة العريضة بكل شرفاتها وتجتاز هذه الشُّرَّاعة الزجاجية أعلى البوابة لتبعث الحياة كل يوم في هذا البهو الملكي.
وكما تعودت منذ هجرت هذا البلاط البكري أنني كلما قصدته أقف وسط هذا البهو الممتد طولا وعرضا وارتفاعا، لأدور برأسي وعيني وأتفحص كل حجر فيه وكل نقش وكل صورة وكل تحفة في جوانبه وأركانه وأرضه، وأسمع كل صوت وكل حوار دار فيه بين سكانه الذين هجروه، وتختل تعابير وجهي بين انبساطةٍ وعبوسٍ، بين ابتسامة ودمعة، وتتوه ذاكرتي بين من مات ومن عاش ومن ينتظر، شجون تجر شجونا وأنا واقف كالتائه بينها وبين أزمنة توالت وتتابعت دون ترتيب كالحلم الطويل الذي يراه النائم في جزء من الثانية ثم يفيق وهو يظن أنه لبث كأهل الكهف ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا.
نفضت ذاكرتي ومسحت عينيَّ وحررت قدميَّ قاصدا هذا الركنَ الذي كنت أحب الجلوسَ فيه صباحا، وقعت عيناي على هذا المذياع العتيق الضخم الذي ظننت وأنا طفل جاهل أن أناسا يسكنون فيه ويحدثوننا منه، ابتسمت بلا سعادة وأكملت جولتي في هذا الطابق السفلي، طفت حول هذه السفرة التحفة الكبيرة ذات الثمانية عشر كرسيَّا والتي حملت آلافا من المعازيم على مدار مئةِ عام من جنسيات كثيرة عربا وعجما، دخلت غرفة الضيوف التي ليس لها عندي أي رصيد عاطفي لأنها كانت دائما مغلقة ولا تفتح إلا للضيوف وكان ممنوعا علينا دخولُها أو حتى فتحُها، لكني الآن فتحتها ودخلتها وكسرت القاعدة الصارمة بعد ستة وعشرين عاما من وفاة سيدة السراية.
خرجت من غرفة الضيوف وكأني حققت نصرا معنويا كاذبا لا قيمة له الآن، أكملت جولتي ومازال يعلق في ذهني هذا الشعورُ الكاذبُ بالزهو، دخلت بقية الأماكن في الدور السفلي على عجل، حتى المطبخَ الذي تتباعد أركانه وكأنه سيطعم قبيلة، وغرفةَ الخزين الوسيعةَ التي مازالت رائحة الزبد والسمن والجبن القديم تملأها بهذا العبق الريفي الأصلي وكأنك تشم.. رائحة الخير والكرم.
توقفت قليلا لأفتح هذا الصنبورَ النحاسي الضخم فوق هذا الحوض الرخامي العملاق الذي يشعرني كلما رأيته بأننا أصبحنا نعيش الآن في مدينة الأقزام! اندفع الماء من الصنبور باردا يصرخ بأعلى صوته كسجين نسيناه منذ عامين، مددت يدي منتشيا بهذه البرودة المنعشة وغسلت وجهيَ لأشم هذه الرائحةَ التي افتقدتها في مدن الأقزام، ارتشفت بضع رشفات.. روت قلبي وأثلجت صدري وكأني تناولتها من يد أمي.
صعدت إلى الطابق العلوي ودونَ تفكير قصدت غرفتي التي احتضنتني أعواما كثيرة وظللت أحن إليها كلما ابتعدت، فتحت بعض الأدراج لأرى أشيائي الصغيرة التي لم أنقلها معي أبدا، خفت عليها أن تضيع هي الأخرى بين زحام المدينة مثلما ضاع صاحبها، التقطت بعض العملات القديمة وبعض الأقلام، رأيت صورا كثيرة كنت قد نسيتها، وجدت مفتاح أولِ سيارة امتلكتها ومعه مفاتيح أخرى لدراجات بخارية كنت أعشقها، تذكرت هذه الخوذة الإيطالية الحمراء وهذا الزي الجلدي الإيطالي الأسود وهذا الحذاء (البوت) الإيطالي.. كلها كانت ضمن طاقم آمن لقيادة الدراجة البخارية اليابانية الضخمة التي لم تسبقها أيُ دراجة أو سيارة منذ اشتريتها.
فتحت حقيبة ذكرياتي الخاصة جدا متعجلا رؤيةَ صورِ حبيباتي منذ الطفولة وحتى اعتقالي وتسليم نفسي باختياري –أي حتى زواجي – قرأت بضع عبارات من رسائلنا المتبادلة عندما كانت كلماتي تذيب قلوب أجمل الجميلات.
أعدت كل شيء إلى مكانه وأغلقت أدراجي وعدت أدراجي خارجا من غرفتي الحبيبة التي مازلت أفتقدها وأحن إليها جدا كحنيني لأمي.
أغلقت باب غرفتي، فتحت باب غرفة أخي الأكبر، نظرت فيها وفي كل أشيائها ولم أدخل دون إذن منه كما كان يحب. تنقلت بين كل الغرف ولم أدخل.. إلا غرفة أمي.. إلا غرفة أمي.. إلا غرفة أمي.
(3)
تسمرت قدماي وأنا أقف مباشرة أمام هذا المعبد الذي كلما مرت عليه السنونَ يزداد جلالا ورهبة وقدسية؛ وقفت ثابتا ليس خوفا ولا خفرا، فقد كنت الراهبَ الوحيدَ الذي يحمل كل صكوكه، وكنت العابد الوحيد الذي يتردد على محرابه، وكنت الخادم الوحيد الذي يحافظ على بريق بلاطه، وكنت الحارس الوحيد الذي يلزم عتباته.
وقفت ثابتا أستوعب هذه اللحظةَ القدريةَ التي لا تتكرر إلا هنا، وقفت ثابتا ألملم ما يتفكك مني كلما هرعت إلى ملجئي أبحث عن نفسي، أخذت نفسا عميقا ووقفت أستعد للقاء هذا الكم العاصف من الذكريات التي تختبئ خلف هذا الباب وكأني سأفتح بوابة الزمن التي كتب عليها (لا تقترب أكثر من ذلك) وأنا أعلم أنها لم تكتب لي أنا، فقد كنت المستثنى الوحيد من هذا النهي.
ورغم أني المخلوق الوحيد على هذه الأرض الذي يحمل المفتاح الوحيد والتصريح الوحيد بالدخول إلا أن أذناي تضج بهذا الإيقاع القدري الذي يضربه قلبي كلما وصلت إلى هنا.
مددت يدي ببطء وخشوع، وضعت المفتاح في بيته وأدرته بهدوء ورفق شديد حتى لا أحدث جلبة تخترق هذا السكون الروحي المهيب لهذا الضريح المقدس القابع خلف الباب وفي مخيلتي وروحي.
أمسكت المقبض النحاسي الضخم، أغمضت عينيَّ، حنيت رأسي، أدرت المقبض، حركت الباب ببطء إلى الداخل، لمست وجهي نسمةُ هواء رقيقةٌ كأنها أناملُ أمي تتحسس وجهي وسمعتها تعاتبني (غبت عني) شممت رائحة أصابعها وشعرت بدفء أنفاسها وهي تتأمل وجهي كطفل رضيع جميل يلتقم ثديها وهي تضمه إلى صدرها.
بدأت خطواتي تتسحب ببطء الناسك الخاشع مهتديا ببصيص خيوط الضوء النافذة من بين شرائح الشيش الخشبي العملاق المغلق.
سمعت أنفاسي تروح وتغدو بهدوء وأنا أنظر إلى نفسي في مرآة أمي العملاقة، وكأنها تذكرني بمديحها البليغ المتحيز لي دائما وهي تقول لكل العالم إطراء وفخرا: (هذا مجدي ابني وأبي وصديقي وأخي)
كل أشيائها موضوعة كما هي هنا وهنا وهنا.. بيدها كما ترَكَتْها آخر مرة، نفسُ السَّجادة الموجهة ناحية القبلة، نفس المصحف الكبير ذي الكتابة العثمانية الضخمة، نفس المسبحة العملاقة المصنوعة من خشب الصندل العطري ذاتِ الألف حبة والمعلقة بحامل خاص بها كنت قد ابتكرته وصنعته لها بيدي ليسهل لها دوران حباتها في يدها وهي معلقة دون تعقيد، نفسُ المداس الصغير الجميل الذي كانت تنتعله في البيت، نفس الطرحةِ البيضاءَ الكبيرةِ. نفس الإسدال، نفس العطور الأصلية الفخمة التي أهديتها لها والتي لم تستعمل منها غير زخات قليلة بعد إلحاح مني، فقد كانت لا تحتاج لها لأنها كانت تشع نقاء وشفافية وجمالا.
نفس عُلبِ الأدوية الفارغة التي حرصت أنا على بقائها في مكانها، ونفسُ كُوبِها الذي كانت تحرص على وجوده ممتلئا بجانبها فكنت لا أتركه فارغا لحظةً ليلَ نهار، أشياءٌ كثيرة كثيرة تملأ هذه الصومعةَ الهادئةَ المعتزةَ الفخورةَ بمن كانت تسكنها.
وقفت أمام سريرها، انحنيت لأشم وسادتها، والله ما تغيرت رائحتها، احتضنتها وقبلتها وبللتها بدموع ساخنة مؤلمة عند تدفقها، وضعت الوسادة مكانها كي لا تأخذ رائحتي، افترشت الأرض واضعا عضدي فوق سريرها مثلما كنت أفعل وأنا برفقتها حين كنت أظل ساعات أكلمها وأحكي لها كل أحداث يومي، ثم حين كنت أرافقها وهي غائبة ما بين الحياة والموت، ثم تذكرت تلك السنين الكثيرة والليالي الطويلة التي كانت تصارع فيها المرض والألم والموت وكنت أظل طوال الليل أتسلل إلى غرفتها عشرات المرات حافيا على أطراف أصابعي كي لا أوقظَها وكي أطمئنَ نفسي أنها مازالت تتنفس ثم أعود إلى غرفتي أصارع فكرة رحيلها عني...
خمسة وعشرون عاما.. ثلاث مئة شهر.. تسعة آلاف ليلة.. أكرر نفس الأشياء في حياتها.
ثم ستة وعشرون عاما.. ثلاث مئة واثنا عشر شهرا.. أكرر نفس الرحلة بعد رحيلها.
(4)
استدرت حاملا فوق رأسي وقلبي جبالا من الحزن أثقلت خطواتي وأنفاسي، جرجرت أقدامي ناحية باب المعبد، خرجت بقدمي اليسرى ممسكا طرف الباب بيدي اليمنى، سحبته في يدي أثناء خروجي شعرت بيدها فوق يدي كأنها تتوسل لي أن أبقى أو أن أعود تترا، وقفت.. نظرت إليها وكأني أودعها للمرة الأخيرة، انقبض قلبي صارخا، أهو الفراق؟ أهو الفراق؟
سمعت حشرجة
سمعت حشرجة ما بين لهاتي وحلقي عندما كانت أقدامي تزحف فوق عتبتها رافضة أمرا عقليا قصريا بالخروج، وما بين عقلي وقلبي دار صراع قصير طويل أربكني وكاد يسقطني قبل أن أتغلب على هذا التمرد الجماعي.
وبمنتهى الجفاء حسمت أمري وأنهيت المشهد وأكملت إغلاق الباب، ومثلما بدأت.. سحبته ببطء وأحنيت رأسي وأدرت المقبض والمفتاح لأغلق ملجئيَ الأخيرَ هاجرا متخليا عن هذا القلب الذي ينتفض بصدري متمردا رافضا وحيدا مشردا هائما دون عنوان دون مقصد دون مرجع يعود إليه.
تماسكت وتمسكت بغباء عقلي وصلفه ونزلت درجات السلم مسرعا كمن يهرب من فعلته ويتهرب من جريمتهِ الشنعاءَ التي..
التي سيعرف يوما أنها كانت جريمةَ انتحار.
أطلقت قدماي بلا تفكير ناحية البوابة الداخلية، احتضنتني أشعة الشمس المقابلة لوجهي وكأنها تربت على قلبيَ المذبوحِ الذي يتلوى في صدري ويهز ضلوعي محاولا الهروب مني رافضا كل جرائمي.
سمعت آهة مخنوقة حادة خرجت رغما عني.
كل شيء في كياني يعلن الرفض والتمرد على عقلي الذي يعتلي ويتعالى عليها جميعا.
أمسكت طرف البوابة الحديدية الثقيلة، سحبتها، تحرك ظلها العملاق الذي يغطي كل البهو كأنه ستارة مسرح كبير توشك على الإسدال لتعلن نهاية ملحمة تاريخية، توقفت ونظرت إلى المسرح الذي يقتسمه الضوء والظل، وكأني أبحث عن أبطاله، هل ماتوا جميعا وبقيت أنا؟!
وهل هناك فرق كبير بين أبطال رحلوا وهذا البطل الأخير الذي يوشك على الرحيل؟! بل من يستحق الآن الشفقة؟ من رحلوا وتخلصوا من هواجسَ وأحزانِ الفراق؟ أم من بقَوا وبقِيَتْ معهم أحزانهم على من رحلوا؟!!
أسدلت الستار – ولم أكن أدري أنه الإسدال الأخير- سمعت صدى الصكيك يردد في أذنيَّ لحنا قدريا لوداعي، سمعت هذا الترجيع ككروان ينعيني ويهجوني ويبكيني.
أدرت المفتاح إلى اليسار وما أدركت أنه الدوران اليساري الأخير!!
استدرت، مشيت فوق العتبة الرخامية البيضاء الفسيحة متجها ناحية السلالم الرخامية البيضاء الواسعة، نزلت الدرج حتى آخره، وقفت.. استدرت.. نظرت إلى هذا الصرح التاريخي الصامد الصابر، الذي لم يهزمه الزمن ولم ينحن رغم حزنه، نظرت إلى هذا المتحف الذي يحفظ في قلبه النسخة الوحيدة الفريدة من تاريخي وجذوري، وكعادة الحمقى.. وكعادة الحمقى لم أدرك أني ألقي النظرة الأخيرة على روحي ووجودي.
استدرت ككل الاستدارات السيئة في حياتي، لتعود إلى سمعي هذه الأصواتُ المألوفةُ لحوارات الكبار وضحكات الأطفال وصراخاتهم، نظرت إلى شجرة الكافور العبقة التي جفت أوراقها وتساقطت فأشاحت بوجهها يمينا، التفتُّ إلى شجرة الصفصاف ذات الضفائر المسدولة المتجعدة المنكوشة على صدرها لتشيح بوجهها يسارا، استجديت التينة الحزينة والزيتونة العابسة وقبلت فروع الليمون الذابلة، ذهبت إلى شجرة الجميز كبيرتهم ووقفت أسفلها ولمست خصرها البدين بكفي وسندت رأسي عليه لعلها تفعل مثلما كانت تفعل أمي، اعترفت لها بذنوبي لم تقبل، قبلت بطنها لم تشعر، بللتها بدموعي لم تغفر. كنت أحتاج كثيرا لعتاب يوقفني يردعني يمنعني عن آثامي.. لكن لا حياة لمن أنادي.
عدت إلى الممر المتلوي بين الأحراش. أحمل أثقالا فوق الأثقال، بلغت نهاية هذا الطريق الطويل، كادت تنتهي الرحلة، وقفت في حلق البوابة الحديدية العملاقة الصدئة، رأيت لأول مرة في حياتي ميلانا بها، لم أنتبه قبلا لهذه الانحناءة، دققت النظر كثيرا فرأيت انكسارا في أعلى ظهرها، لكني لم أسمع لها صريخا لحظة قدومي، كانت تتألم في صمت مثلما كانت أمي تتألم، صَبَرَتْ أعمارا لم تشكُ، لكنها الآن عرفت في وجهي قبل خروجي أني مغادرها بلا عودة، فاستسلمت لألمها وأظهرت انكسارا ومالت تعاتبني وتبكيني وتودعني وترثيني.
عتاب لم تسمعه أذناي لكنه ضرب قلبي وهز كياني، لتعلن للعالم أنه: (ذات يوم كان هنا ثمة رجل أحببت قدومه بعدما عز القدوم، اشتقت إليه مثلما اشتاقت إليه من خلفي كل الأماكن، لكنه هجر وغدر وغادر ولم يعد أبدا).