عبد الحميد الكاتب
اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد شاهين
أكرموا الكتّاب فإن الله عز وجل أجرى أرزاق الخلق على أيديهم.
*
إن كان الوحي ينزل على أحد بعد الأنبياء فعلى بلغاء الكتاب.
*
القلم شجرة ثمرها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة.
*
خير الكلام ما كان لفظة فحلا ومعناه بكرا.
(توصية بشخص)
حق موصل كتابي إليك، كحقه علي، إذ جعلك موضعا لأمله، ورآني أهلا لحاجته، وقد أنجزت حاجته، فصدّق أمله.
(من رسالة إلى أهله) وكانوا يقيمون في الرقة عندما انهزم إلى فلسطين مع مروان بن محمد)
جُعلت الدنيا محفوفة بالكره والسرور، وجعل فيها أقساما مختلفة بين أهلها فمن درّت له بحلاوتها، وساعده الحظ فيها، سكن إليها، ورضي بها، وأقام عليها. ومن قرصته بأظفارها، وعضته بأنيابها قلاها نافرا عنها، وذمّها ساخطا عليها، وشكاها مستزيدا لها.
وقد كانت أذاقتنا أفاويق استحليناها ثم جمحت بنا نافرة، ورمحتنا مولية، فملُح عذيها، وخشن لينها، فأبعدتا عن الأوطان وفرقتنا عن الإخوان، فالدار نازحة والطير بارحة.
وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدا، واليكم صبابة ووجدا، فإن تم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا.
وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم، نرجع إليكم بُذل الإسار، والذل شرُّ جار.
(شكوى من أيام محنته)
دارنا نازحة، وطيرنا بارحة، قد أخذت كل ما أعطت، وتباعدت مثل ما تقربت، وأعقبت بالراحة نصبا وبالجذل هما، وبالأمن خوفا، وبالعز ذُلا، وبالجِدّة حاجة، وبالسراء ضراءَ، وبالحياة مؤتا.
لا ترحم من استرحمها سالكة بنا سبيل من لا أوْبة له، منفيين عن الأولياء، مقطوعين عن الأحياء.
(وصف حالات الانسان)
إن النعمة إذا كالت بالعبد ممتدة أبطرته، فأساء حمْل الكرامة، واستثقل العافية ونسبَ ما هو فيه إلى حيلته، وحُسنِ نبته ورهطه وعشيرته، وإذا نزلت به الغِير وانكشفت عَماية العَشا عنه، ذل منقادا وندم حسيراً.
(الكلام موجه إلى أي وال أو مسؤول)
عليك أن تملك أمورك بالقصد، وتواري جندك بالإحسان، وتصون سرك بالكتمان وتداوي حقدك بالإنصاف، وتذلل نفسك بالعدل، وتحصن عيوبك بتقويم أوَدك، وتمنع عقلك من دخول الآفات عليه، وأناتك فوقِّها الملالَ وفَوْتَ العمل، ومضاءتكَ فدرِّعها رؤية النظر واكنُفْها بأناةِ الحِلم، وخلوتك فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة، وصمتك فانف عنه عِيّ اللفظ، وخَفْ سوء القالة، واستماعَك فارعهُ حسن التفهم، وقوّه بإشهاد الفكر، وعطاءَك فامهد له بيوتات الشرف وذوي الحسب، وتحرز فيه من السرف واستطالة البذخ وامتنان الصنيعة، وحياءَكَ فامنعه من الخجل، وبلادة الحصر، وحِلمكَ فزغة عن التهاون وأحضرهُ فوة الشكيمة، وعقوبتك فقصّر بها عن الإفراط، وتعمد بها أهل الاستحقاق، وعفوك فلا تدخله في تعطيل الحقوق، واستئناسَكَ فامنع منه البذاء، لا تستفرغ قوتك ولا تستدع سآمتك، وعزماتكِ فانف عنها عجلة الرأي، ولجاجة الإقدام، وفرحاتك فاشكمها عن البطر، وقيدها عن الزهو، وروْعاتك فحُطها من دَهشِ الرأي، واستسلام الخضوع، وحذراتك فامنعها من الجبن واعمِد بها الحزم، ورجاءَك فقيّدة بخوف الفائت، وامنعهُ من أمنِ الطلب.
لا يغلبن عليك هواك فيصرفك عن الرأي، ويقتطعك دون الفكر، وتعلّم أنك، وإن خلوت بسر فألقيت دونه ستورك، وأغلقت عليه أبوابك، فذلك لا محالة مكشوف للعامة، ظاهر عنك وإن استترت بربما ولعل.
*
إياك أن يفاض عندك بشيء من الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك التي يستخف بها أهل البطالة، ويتسرّع نحوها ذوو الجهالة، ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يذيعونه وطعنا في حق يجهدونه مع ما في ذلك من نقص الرأي، ودَرَنِ العِرْض، وهدم الشرف، وتأثيل الغَفلة، وقوة طباع السوء الكامنة في بني آدم ككمون النار في الحجر الصلد فإذا قُدح لاح شرره، وتلهَّب وميضه، ووقَدَ تضرُّمه.
*
إن الفتتة تتشوق لأهلها بآنق منظر، وأزين ملبس. تجر لهم أذيالها، وتعدهم تتابع لذاتها، حتى ترمي بهم في حوْمات أمواجها مسلّمة لهم، تعدهم الكذب وتمنيهم الخدع، فإذا لزمهم عِضاضها، ونفر بهم شماسُها، تخلت عنهم خاذلة لهم، وتبرأت منهم معرضة. قد سُلبوا أجمل لباس دينهم، واستنزلوا عن أحْصن معاقل دُنياهم، من الغَنَاء البهيّ منظره، الجميل أثره، حتى تطرحهم في فضائح أعمالهم، والإيجاف في التعب، وسوء المنقلب.
*
الظفر ظفران، أحدهما أعم منفعة، وأبلغ في حسن الذكر قالةٌ، وأحوطه سلامة، وأتمه عافية، وأعوده عاقبة، وأحسنه في الأمور موردا، وأصحه في الرواية حزما، وأسلمة عند العامة مصدرا، ما نِيلَ ببسالة الجنود وحسن الحيلة ولطف المكيدة، ويُمن النقيبة.
*
واعلم أن جواسيسك وعيونك ربما صدقوك، وربما غشوك، وربما كانوا لك وعليك، فنصحوا لك وغشوا عدوك، وغشوك ونصحوا عدوك.
وكثيرا ما يصدقونك ويصدقونه، فلا تبدرن منك فرْطة وعقوبة إلى أحد منهم، ولا تعجل بسوء الظن إلى من اتهمته على ذلك، وابسط من آمالهم فيك.
*
اعلم أن للحكمة مسالك تفضي مضايقُ أوائلها بمن أمّها سالكا، وركبَ أخطارها قاصدا، إلى سعة عاقبتها، وأمْن سَرْحها، وشرف عزّها، وأنها لا تُعاز بسخف الخفة، ولا تُنشا بتفريط الغفلة.
قد تلقتك أخلاق الحكمة من كل جهة بفضلها، من غير تعب البحث في طلبها. ولا تطاوُلٍ لمناولة ذروتها، بل تأثّلْتَ منها أكرم نَبَعاتها، واستخلصتَ أعتق جواهرها. ثم سموت إلى لباب مُصَاحِها، وأحرزت مُنْفِسَ ذخائرها، فاقتعد ما أحرزت ونافس في ما أصبت.
*
كل أهوائك عدوّ لكَ يحاول هَلكتك، ويعترض غفلتك، فاحذرها مُجانبا لها وتوقّها محترسا لها.
(نصيحة وجهها للعباسيين)
لا تمكّنوا ناصيةَ الدّولة العربية من يد الفئة العجمية. فسينضب السيل وتمحى آية الليل.