محمد عطية محمود
اللوحة: الفنان الفلسطيني محمد الركوعي
لا أدرى ما الذي حوَّلني إلى أنثى ترى ذاتها بصورة لم تألفها من قبل، وتعشقها من منظور جديد غريب عليها وعلى كل المحيطين بها الذين لا يأبهون لمثل هذه الأحوال ولا ينتبهون للتغيرات، ربما أكثر بكثير مما سبق وطوته الأيام وحفَّزتني عليه من شراهة لانطلاق غير محدد الوجهة، وعلاقات مبتورة أو كانت تبدو على شفا حفرة من الانهيار السريع..
لماذا أعاني الآن سكونًا غريبًا يجعلني ساهمةً غير مقبلة على شيء؟ هل هي هذه الحالة من الانجذاب الذي لا أستطيع الإفصاح عنها لأحد حتى أقرب المقربين إليَّ؟ أم هي حالة من حالات الحرب والصراع المرير مع نفسي التي أرهقها كثيرًا دون أن يلوح ذلك على ملامحي الهادئة؟
سيعتبرونني مجنونةً أو معتوهة؛ فالبدائل التي كانت تلعب في مخيلتي وتتواتر على ألسنتهم كان من المفترض أن أفاضل بين اثنين أو أكثر منها حتى أختار من يليق بي – كما يقولون – كي أرتبط به، وليس كما اتبعت شقيقتي الكبرى، التي لم أحك لأحد عنها، الفاتنة الجمال التي تواضعت ولم تقدِّر جمالها، وارتضت بزوج فضَّلت أن تبدأ معه رحلة من المعاناة والتضحية من أجل الحب. ذلك الفارق والمسافة الشاسعة التي كانت تفصل بيننا؟!
ما التفسير لهذه الحالة الغريبة؟ لم أتجرأ بالطبع أن أتحدث فيها مع إحدى صديقاتي؛ فهن مترعات بهموم مغايرة، ومهمومات بالأحاديث السريَّة التي تكون مادتها كل ما غاب وما أثار أشياءً ورغبات كامنة في داخل كل منهن، هن لا تردن إلا أن تكشفن المستور والمخبوء دائمًا، والتحدث في أسرار العلاقات وتفاصيل الجسد وأسراره وتغيراته ما يؤرقهن كما يؤرق من يشغلهن من الشباب.. ويرينني مثالاَ للجمود والفتنة الساكنة التي لا تريد أن تتحرك إلا لمن يستطيع أن يحملها وينتشلها من هذا الحيز الذي تعيش فيه مجبرة!!
علاقة غريبة، ولكني كنت معتادة على التواجد في محيط يضمني مهما اختلفت عنه أو كنت قطعة شاذة أو لون مخالف في فستان تتجانس أطياف الألوان فيه، ربما صرت يومًا لونًا مغايرًا يلفت الانتباه إليه ويعزز وجوده…!!
ذات مرة لمَّحت “لوزة” الموظفة الثابتة في الشونة، لي من بعيد عن رغبة “مصطفى” في الارتباط بي.. ذلك المأفون المنطوي رأسه على صدره بنظرة متذائبة ساذجة تطل دائمًا من خلف نظارته المقعرة، وإطراقه الدائم إلى الأرض (هو الذي يعمل معنا أيضًا مؤقتًا)، وأفصحت لي بغتة هامسة وعيناها تلتمعان ببريق غريب، مغلِّفةً نبرتها بالسُّخرية، بقرب سفره للعمل بالكويت، ومحاولة توسيطه لها، كي يأخذ وعدًا بموافقتي على تقدمه للزواج مني بعد عودته في أول أجازة!!!.. وأطلقت ضحكتها التي تهتك دائمًا ستر السكون وتلفت الانتباه إليها بنظرات متباينة وتعليقات ماجنة ربما أصابتها في مكمن عفتها وسلوكها، وبالطبع لم يكن لي على كلامها أي تعليق سوى ابتسامة باهتة ونظرة في زوايا السقف الذي كنت أرى فيه دائمًا دوائر هلامية تدور في سرعة غير متناهية تأخذني في طياتها، ويتوه فيها تركيزي..
فمن أين أتى لهذا المعتوه أن يحصل على المال الذي يمكِّنه من السفر والعمل والبداية الحقيقية التي تثير – برغم رفضي الكامل له – إعجابًا بفكرة إقدامه ومحاولته الجادة لكسر الطوق أو الخروج من عنق الزجاجة كما يقولون؟.. وما الذي دفعه أيضًا كي يفكر بي، ولو على سبيل الجدية – المبالغ فيها برأيي – وأنا لم أختصه بشيء أو تعليق اللهم مرة ابتسمت لنكتة سخيفة حاول أن يثبت بها وجوده في وجود كل الزملاء..
نعم.. ربما تشعرني رغبته قليلًا بوجودي كأي بنت، وفرحي بذاتي، وإعجابي بها من خلال إعجابه، ولكن ليس بالأمر اليسير أن أتحوَّل بهذه السرعة، وأهرع نحو مخبول مثله يعانق أوهامًا قد تتحوَّل في يوم من الأيام إلى حقائق، أو ربما مثلت له كارثة لا يستطيع الخروج من تحت أنقاضها، لكن الأيام تفتح كل الأبواب على مصراعيها لكل الاحتمالات الواردة وغير الواردة!! ما قرَّ في يقيني مقدمًا هو أنه ينضاف ببلهه وعدم قدرته على تحديد طموحه فيّ بالنسبة إلى إمكانياته التي كانت لا تزال في مهب الريح، وتصنيفه هو بالنسبة لآخرين قد أكون أثرت فيهم أو انجذبوا إليَّ بصورة ما أو بأخرى، وانطوت معهم صفحة الماضي بلا رجعة؛ فغالبا ما أندفع نحو تحويل مسارات تفكيري في اتجاهات شتى.. تعبث في صمتي، وتذهب بي بعيدًا، ويتلبسني شعور دائم بالتحوُّل وارتياد مناطق جديدة من التفكير المظلم تقلب شعوري بأوقاتي التي أشعر بأن السعادة فيها قريبة مني، فتطيش بلا مقدمات ولا أسباب!!
ترى ماذا لو يعلم حلمي بهذا الصراع الذي يدور بداخلي، وهذه البهجة التي تنقلب إلى رهبة تجتاحني كلما تركني ومضى بعدما لاح لي أو مر بجواري أو رآني على مدى بصره، وهو يتجوَّل بالشونة مؤديًّا عمله الذي لا يهدأ في ساحتها، التي لا أفكر أبدًا في النزول إليها حتى لو اقتضى الأمر لذلك، وهي التي تمثل لدي لغزًا غريبًا لا أستطيع تخيل ما فيه سوى هذه الغوغاء..
وظل السؤال يلح عليّ دائمًا: كيف يتعايش هذا الكيان مع تلك الوحوش البرية الفظة؟.. ترى ماذا يكون رد فعله على هواجسي وظنوني السوداء، وهو المتفائل المتمسك بتلك الالتماعة التي تسكن عينينا كلما التقينا على ذات الدهشة، وهذا الولع الشديد الذي لا أرى أي سبب وجيه له إلا أنه حالة من حالات القدر التي لم أكن أؤمن بها، أو لعلها شطحة من شطحات الرومانسيين الحالمين من أمثاله.. لكنني ربما تسلل إليَّ تعاطف للمرة الأولى مع هؤلاء الحالمين، من أجله!! ربما اختزن هذا الشعور بداخلي حتى يهبط عليَّ من أجواء لم تخطر لي ببال.. فلا أحد يستطيع أن ينكر براعة الأنثى مهما أوتيت من ضعف أو إمعان في التواري والتقوقع خلف أحوالها، وقدرتها على اصطياد تلك العاطفة القوية، واللحظة التي تنداح فيها من كيان يعرف قيمة العشق، حتى وإن لم تكن قد مارست هذا الشعور مع أحد من قبله؛ فكل خلجاته وتأماته وصمته ينطق بهذا التعلق المباغت.. هي دائمًا اللحظة الفاصلة بين أن تدرك أو لا تدرك.. تكون أو لا تكون!!
لن أنسى أبدا غليان الدم في عروقه عندما تصدى لأحد السائقين الغرباء الذين تستعين بهم الشونة تحت ضغط الشغل الزائد كي يسدوا عجزًا بعرباتهم، وأنا أدخل للعمل صباحًا، وتفاجأت بالرجل يرميني بسهام النظرات والكلام المكشوف مغازلًا ومضيقًا عليَّ منفذ الدخول، وكأنه كان مخمورًا.. لا أعلم من أين أتى حلمي ليدخل معه في مشادة عنيفة، كادت تصل إلى التشابك بالأيدي؛ فرأيت منه شراسةً وقوة، ساعتها كان لم يمض على تلاقينا سوى أيام معدودة، لكنها كانت مشحونة بمشاعر عجيبة مشبوبة لم أتعرف عليها من قبل، من الممكن أن يكون الموقف قد أطلقها أكثر..
هل من العيب أن أعشق نفسي من خلال عمق نظرته الساحرة والمسحورة، واستحواذي على اهتمامه وتعريض نفسه للمخاطر من أجلي؟ أو أعشق إحساسه نحوي بهذا الوله؟ أو بالأحرى أن أحب حبه لي؟ تراني جننت بالفعل؟، وهل الجنون أحيانًا هو الحالة التي يتحتم علينا أن ننطلق بها إلى أفاق لم نكن ندريها ولا ندري عنها شيئا، لنخرج عن الطوق ونلامس أطرافًا من البهجة التي يبدو أنني لم أعرفها من قبل؟.. هل أنا عانقت للمرة الأولى طرفًا من أطراف الحياة الحقيقية بأحوالها الغامضة والغائبة عني في فترة حرجة قد تعيد إليَّ توازنًا كنت اعتقدت أنه لن يتحقق في يوم من الأيام برغم كل شيء ظننته جميلًا حدث معي في الماضي، إلا أنه لم يقدَّر له الاكتمال؟! ولكن أي جميل.. فربما الأجمل لم يأت بعد!!
فصل من رواية «بهجة الحضور» للكاتب