هيام علي
اللوحة: الفنان الفلسطيني محمد نجم
دقت الساعة منتصف الليل، الأمطار الغزيرة مازالت محفورة داخلي أسمعها الأن بقوة وانا أخيط ثوب إبنتي عندما دخلت علي وقالت: صورة جدتك يا أمي وجدتها في بدروم المنزل، نظرت إليها مددت يدي مسحت بعض التراب العالق بها.
ثم عدت بذاكرتي لثلاثين عامًا مضت، ذاكرتي لم تستوعب إلّا خمس ليالي، كأن عمري كله انحصر فيهما، الليلة الأولي كنت ألعب في حجرتي بعرائسي عندما سمعت صوت جدتي أم أبي تنادي علي بصوت واهن، خرجت مسرعة إليها وإذا بها على الأرض جسدها ينتفض، حدثتها بأن تنتظر حتى أنادي أمي خرجت من البيت وإذا بأمي تجمع الخشب للمدفأة.
وجدت أمي جدتي ملقاة على الأرض لا تستطيع النهوض، نظرت إليّ ببرود لم أعهده من قبل، لم تتكلم، سارت ببطء حتى وصلت إليها حملتها دون كلام، وضعتها على سريرها.
في اليوم التالي أتى الطبيب عندما ساءت حالة جدتي، سأل أمي منذ متى وهي هكذا؟ منذ البارحة فقط، كتب لها بعض الأدوية تأخذها بانتظام، تولت أمي أمر علاج جدتي، نحن الثلاثة فقط نعيش في هذا البيت الكبير بعد وفاة أبي، جدتي صارمة لأبعد حد كل شيء بحساب هي التي تتحكم في مصروف البيت أعلم بأنها شخصية لا تحتمل ولكني أحبها، في اليوم الثالث، أصبحت جدتي طريحة الفراش وجهها يزداد شحوبا نظراتها زائغه كأنها تبحث عن شيء، فقدت النطق، في هذا اليوم دخلت عليها أشارت بعينيها نحو صندوق خشبي صغير علمت بأنها تريده أعطيته لها أشارت بعينيها بأن أضعه بجوارها، فعلت ما أمرتني به .
في صباح اليوم الرابع دخلت حجرة جدتي كي أطمئن عليها وجدتها نائمة وصوت أنفاسها يعلو ويهبط، ناديت أمي، عندما نظرت إليها فتحت جدتي عينيها، هي بخير سأعطيها الدواء، مرت الساعات وجدتي كل يوم في حال أسوأ هذه ليلتها الرابعة شعرت بدنو أجلها، استسلمت للأمر بين لحظة وأخرى أتفقدها أجدها كما هي أتركها وأرحل، الليلة الأخيرة لم أكن أتخيل بأنها سترحل عنا في صمت، بكيت طويلا، أمي لم تبكي ولم تفرح، ملامحها غريبة، لم أعد أحتمل تقلباتها والصمت الدائم الذي أصبح نمط حياتها، تركتها لم أعد أتحدث معها، مرت عشر سنوات على فراق جدتي، منذ ذلك الحين لم أدخل حجرتها، أخذني الحنين إليها دخلت جلست على السرير، أخذت الصندوق فتحته رأيت بعض الصور الصغيرة لي ولأبي ولجدتي لاحظت ورقه مطوية بين الصور فتحتها رأيت كلمة واحدة صدمتني من ستة أحرف (قتلتني)