اللوحة: الفنانة الكويتية هاجر عبد الرحمن
لكل منّا ندّاهته، ربما امرأة، فكرة أو غير ذلك، مما يستحوذ على الفؤاد ويسلب العقل، لربما يعيش المرء حياته كلها دون أن تمسّه نداهة أو تقترب منه، وقد تأتيه في أُخريات أيامه، فتسرقه من عالمه لآخر.. لكنها سرقة مشروعة في عُرفهن.
الحق أنّي كنت ألوم دومًا من يعاقر الخمر، يُدمن أي جوهر مخدّر ويخضع لسطوته، كنت أستغرب بشدة من نفر من الناس يلقون بعقولهم وراء ظهورهم ويتعقّبون المتعة الممزوجة نهايتها بمعاناة، لكنّي حينما وقعت بنفس الفخ، قطعت شوطًا طويلًا بواديهم، عذرتهم، بل التمست لهم سبعين عُذرا ومبرّرًا لأفعالهم، فقد أدركت أن سوء الخاتمة أن ترى ما لا يعقل. أن تلمس ما لم يخطر على بالك من قبل. حتى أنّي أسررت ببعض هواجسي لعجوز آمنتُ من فترة بصدق رأيها، فقالت بعد أن أقسمت أن اشرب فنجان قهوة من يديها النحيلتين: من سار هادئًا مطمئنًا جُل حياته يخشى بأس الهوام والجن، لا يحق له أن يتمرّد بآخرته، سلامُك يا ولدي في استسلامك، قالت هذا وهي تعبث بسبابتها اليمنى بقاع فنجانها سعيًا وراء بقايا قهوة سوداء ترسّبت على جدره، كأنما تستوثق من رؤيتها.
إبراهيم أبو عيون خضرا
بالقرب من الطريق السريع، تقع دكان “عم إبراهيم أبو عيون خضراء”، ذهابنا إليه رحلة محفوفة بمخاوف تقبع في أعماق عقولنا، مغامرة لاكتشاف المجهول، استطلاع للأحياء المجاورة و رؤية العربات المارقة.
عم “إبراهيم” يمتلك حانوتًا صغيرًا للبقالة، هو كهل يقترب من الشيخوخة، نحيل متوسط الطول أبيض البشرة شاحب اللون، تميّز بين الجميع بعينين خضراوين، فصار لون عينيه صفة تلحق باسمه الأول تمييزًا له عن أي “إبراهيم” آخر بالمكان.
و “أبو خليل” كما كان يحلو لرفاقه مناداته هادئ الطبع، قليل الكلام، يتقبل سخافات الزبائن بخاصة الصبية بصدر رحب، لا يجد حرجًا أن يردّ أحد إليه بضاعته ولو بعد أيام من بيعها. كنا نستغرب وسامته ونندهش من برود أعصابه المميت.
لطالما حاولنا استفزازه، وفشلنا فزاد حنقنا عليه، فأمّعنا أكثر في إثارته فلم نجد سوى مواتًا يشع من عينيه الخضراوين. حينما يأسنا منه قررنا أن نتركه في حاله، نستريح من عناء مشاغبته.
حينها أغلق “إبراهيم أبو عيون خضرا”، دكانه و ذهب.