اللوحة: الفنان السوري عادل داود كردي
وجدت من يطرق بابي قبيل الفجر، بدت أنها لشخصين، فقد تباين شدة الطرق ما بين غلظة ودقات رقيقة كأنما صاحبها يستحيّ من غرابة الوقت ويجفل من رد فعل المضيف.
ولمّا كان النوم يعاندني من فترة غير قريبة، تأصّلت الجفوة بيننا، فقد أسرعت لفتح الباب، غير هيّاب من يكون خلفه! فلم أعد أخشى فقدان أي شيء لديّ على ندرة ما أملك. ومع ذلك لا أخفي أنّ هاجسًا مرّ بخاطري وأنا أقترب، اضطربت له يدي، فاستعص القفل تلك المرة وعلا صرير الباب كأنما يأبى أن ينفتح على آخره واكتفي بمواربة يُعلن بها عن تمرّده، أتاح ليّ رؤية من بالخارج.
شخصان كما توقعت، أحدهما يحمل سيفًا خشبيًا طويلًا، مبتورة نهايته لنخر السوس بها، يرتدي بقايا أسمال فرسان العصور الوسطى، بدا على وجهه إرهاقًا شديدًا، يكاد جسده يتداعى من فرط تعبه. الثاني، لا يقل عن رفيقه بؤسًا، كان يحمل على كتفيه حجرًا كبيرًا، تكاد ركبتاه تنخّان من ثُقله، حافي القدمين، كبيرتان بدرجة ملحوظة كأنها ليست لبشر، لحيته عظيمة، تخفي وجهه، يغمره عرق ينساب من بين شعيرات ذقنه، على رغم أن الجو لم يكن رطبًا، لكن يبدو أنه أثر المشوار وصعود السلم الحجري لبيتي.
رحبّت بهما بعدما فتحت الباب عن آخره كي يدخلا. كثير ما أستقبل أنماطًا غريبة من البشر وبأوقات لا يطيقها أحد، وقد تقبّلت هذا الأمر إذ أنّي شخص لا يطيقه الناس أيضًا، فامتلأ قلبي رأفة بمن لا يقلّ عنّي غرابة.
سألتهما أن ينزلا حملهما خلف الباب من الداخل أو أمام الشقة من خارجها، لكنهما تجاهلا كلامي، قلت كي أزيل عنهما كل قلق: لا تخافا اللصوص فبيني وبينهما عهد، ألاّ تمتد أيديهما لشيء أملكه، ندّت منّي ضحكة على المفارقة، ثم تمالكت زمام الحديث وأكملت: وأن أبتعد عنهم حتى لا يصيبهم رذاذ من سوء حظي، ذلك الذي لازمني كظلّي طوال حياتي. ثم ألا يُفترض أن تعرّفا نفسكما إليّ، فللمضيف حق على الضيف أن يعرفه أولًا وقبل أن يرحّب به في بيته!
هز صاحب السيف الخشبي، رأسه وقال: أنا دون كيخوت، لعلّك قرأت عن حكايتي، تلك التي لاكتها الألسن وتحدث عن روايتها كل فرد على هذه المعمورة، فأنا من حاربت ولا زلت، طواحين الهواء.
اعتقد الناس أن مسًّا من جنون أصابني، سخروا من إصراري على ممارسة فعل عفا عليه الزمن، ينكره الخلق الآن.. لكنّي يا سيدي صاحب حُلم، فهل يُلام المرء على حُلم داعب خياله واستقر بوجدانه؟!
لقد صرت بسيفي الخشبي هذا، لوّح به في وجهي، أضحوكة بين الخلق، قد جئتك اليوم بحثًا مأوى لبضعة أيام، فقد قرّرت أن أكسر سيفي هذا،
وبالفعل أمسكه بيديه الإثنتين وهوى به على ركتبه اليمنى وهو بوضع القرفصاء، فانكسر نصفين وتطايرت شظايا خشبية بأرجاء الصالة، ثم صاح بسرور علا وجهه : استرحت، عبئًا انزاح من على صدري أردت أن أحيي سنّة هجرها الناس من فترة بعيدة، لكنّي أعترف بفشلي فما رغبت إلّا أن أرفعهم لمصاف الفرسان بأخلاقهم، فلم أنل إلاّ غير المعاناة والألم، ثم أزاحني جانبًا وتوارى بغرفة نومي وهو يتثائب ويده على فيه يغالب نومًا يبدو أنه يداعبه من قرون.
للحق فقد ألجمتني المفاجأة، لكنّي أفقت على الثاني، يقول وهو يبدّل من وضعية الحجر على كتفيه: أنا سيزيف، ذلك الملعون من آلهته، أكيد سمعت بحكايتي، تلك التي راجت بين شعوب العالم قدميه وحديثه، عن لعنة أصابتني جرّاء إنسانية طافت بعقلي ذات يوم من آلاف السنين، أن أقدمّ المعرفة على طبق من فضة للبشر، أن أهبهم ما يبخل به آخرون عليهم، فقد الطرد واللعن من نصيبي، تجاهل الناس ليّ، سخريتهم، شقائي لدهور نسيت عددها في عقاب أبديّ لا أستحقه عن ذنب فعلته كمعروف لغيري، وقد أتيتك اليوم بعدما سمعت عنك، وبعدما توقفّت لسؤال نفسي : ألم يحن الوقت، للتوقف عن عبثك هذا؟
ثم سمعت خبطة رهيبة، فأفقت على غبار واهتزاز أصاب المكان، فنظرت بذعر لأجد الرجل وقد ألقى الصخرة عن كتفه على الأرض بقوة، ثم فرد جسده فاستقام للمرة الأولى من عهد بعيد، فبدا كخارق هبط من السماء أو كمارد رفض أمرًا ل سليمان الحكيم. رأيته يسحب شهيقًا بصدره، وقد استقرت على وجهه نظرة رضا عن فعلته.
فسألته: هل تخلّصت من لعنتك هنا، بصالة بيتي؟! ثم كيف اجتمعتما مع بعضكما البعض، أين التقيتما؟ لمَ أتيتما إليّ؟ من دلّكما علي؟
لكنه هرول ليلحق بصاحبه فأطاح بما يقابله، طاولة الطعام العتيقة التي لم أستخدمها من سنوات، أُطر الصور التي تعتلي الحوائط التي تضم ذكريات من فقدت من الأهل، جميعها سقطت وتهاوت بفعل اندفاعه، ثم التَفَتّ إليّ وقال: عُذرًا فأنا بحاجة لنوم عميق، لا يهمني بعد ذلك ما سيحدث !، ثم تركني وغاب عن ناظري.
ثم علا شخير الضيفين، بينما أجلس جوار الباب المفتوح على مصراعيه، تحت رجلي سيف من خشب مشطور من نصفه، حجر كبير كجبل صغير تعلوه طبقة من غبار هو بقايا ذنوب قديمة.