أمل بشير
اللوحة: الفنانة البولندية تمارا دي ليمبيكا
نهضت من فراشها بتثاقل لماذا تشعر بكل هذا الكسل؟؟
فكرت ومرت بذهنها كل ما يجب أن تقوم به في يوم عطلتها. عطلة من عمل مدفوع الأجر لتقوم بعمل بلا أجر.. يا لهذه الحياة..!
اغمضت عينيها وقررت أن تقف مباشرة بلا تفكير فلا وقت له الآن. وبالفعل وجدت انها تقف فجأة بلا مقدمات.. دخلت إلى الحمام لتجهز نفسها وبينما هي تغسل وجهها. خطفت نظرة لوجهها في مرآة الحمام، اعادت النظر مرة أخرى فجأة نسيت كل ذلك التعب والتكاسل واعتدلت في وقفتها. فركت عينيها بكلتا يديها. قرصت نفسها هي تشعر بالألم إذا هي قد استيقظت. مررت يدها على وجهها تتحسسه ثم مررت الأخرى تتلمس جسدها وتبحث في تفاصيله. خلعت سترة بيجامتها ذات اللون الزهري ورأس الدبدوب التي كانت تعشق ارتادءها.
ما هذا، من هذا الذي تنظر إليه، لمن هذا الوجه، من صاحب هذا الجسد..؟
كانت تشعر بالذهول لدرجة أوشكت أن تسقط، هي تنظر لرجل ما احتل مراتها وربما جسدها. هل يمكن أن تكون سطوة الرجال لهذه الدرجة فقد قام أحدهم الان بامتلاك ملامحها وتضاريسها.
فتحت الباب وغادرت وهي في هلع شديد لا تدري ما أصابها وإذا بابنها احمد يركض ممسكا بقدمها قائلا بابا حتوديني الألعاب اليوم زي ما وعدتني؟؟
فتحت فاهها لا تصدق ما سمعته جثت على ركبتها وهي تمسك كتفي صغيرها بدهشة وتنظر إليه بعيون تملؤها الحيرة كيف؟؟
وبينما هي في غمرة اندهاشها خرجت سيدة من المطبخ حاملة طبقا من البيض لتضعه على طاولة الطعام وتنظر إليها بنظرة تعرفها تشبه نظرتها حين تنظر لزوجها، وقالت صباح الخير يا فريد هل ازعجناك فاستيقظت باكرا؟
فريد…؟ من هو فريد؟ إنها تدعى فريدة، أين رحلت تلك التاء المربوطة وتركتها غارقة في حيرة؟
اتجهت نحو تلك السيدة وامسكت بيدها ووضعتها على جبهتها وقالت هل اعاني من الحمى؟؟ ارجوك هل انا بخير؟؟ ثم وضعت يدها على صدرها هل اعاني خطبا ما؟؟ هل دقات قلبي طبيعية؟؟
تبسمت تلك السيدة وبنفس الحنان وبلهفة تلمست رأسها ويديها وجسدها وقالت بفزع مم تشكو هل استدعي الطبيب؟؟
طبيب نعم احضروا الطبيب اريد طبيبا..
سارعت تلك السيدة بالاتصال وبعد برهة حضر الطبيب وأجرى فحصه عليها وناولهم ورقة بها بعض المقويات واخبرهم انه بخير حتى الطبيب يتعامل معها على أنها رجل أمسكت بيد الطبيب وطلبت أن تحدثه منفردا.غادرت السيدة والقلق يكسو ملامحها.
حكت للطبيب كيف انها فجأة مع صبيحة اليوم تحولت لرجل وكان ادوارهما تبدلت هي وزوجها واخبرته انها لاتعرف تلك السيدة بالخارج، تبسم الطبيب رغم دهشته من حديثها وقال السيدة ندى زوجتك انتما متزوجان منذ ثمانية سنوات وأحمد هو وحيدكما وانت سيدي استاذ فريد مهندس محترم تعمل بشركة للإنشاءات. ربما انك تعاني من الإرهاق فتراءى حلم لك كأنه حقيقة. ساصف لك بعض الأدوية التي تهدئ الأعصاب. وربما انت بحاجة لعطلة من ضغط العمل.. اردف الطبيب.
ترى هل هو حقا حلم انه يشعر أنه كان بالأمس سيدة.؟؟
لا بد وأن ما قاله الطبيب هو الحقيقة فكيف يعقل أن ينام اي انسان فيصحو بجنس مختلف. انه ليس حلما بل كابوسا ويبدو أنه لم يتخلص من أثره بعد. قضى يومه في فراشه واحضرت ندى الدواء الموصوف واحاطته برعاية وعطف لا حدود لهما. وكان أحمد يأتي متلصصا يمسك بيده فيقبلها ويرفع يديه الصغيرتين داعيا ربه أن يشفي والده..
في صبيحة اليوم التالي استيقظ قام بحلاقة ذقنه بعد معاناة كأنها اول مرة يفعل. وارتدى ملابسه الرجولية رغم ان احساس الغرابة كان ما زال يزوره.
خرج من غرفته ليجد زوجته الوديعة قد حضرت فطوره وتلك النظرة التي تشبه عناق الأم احتضنته. فتبددت كل الاحاسيس الأخرى. لم يعد مندهشا لم يعد يشعر بالغرابة.
عادت روحه لتسكن جسده وفارقته تلك الغريبة التي لم يفهم من أين جاءت. تناول طعامه وودعته ندى وهي تلاحقه بدعواتها ونظراتها التي كانت كدعاء حصنته بها من كل مكروه.
دخل عمله وعاد ليندمج فيما كان يفعله لخمسة عشر عاما منذ تخرجه. همس رائد انظر انها مها رفع بصره فإذا بسيدة فاتنة ممشوقة القوام تقف في الممر المقابل لمكتبه. حدق بها لفترة مشدوها بجمالها ونظراتها التي كانت ترشقه بسهامها كلما التفت بنظراته التي كادت تلتهمها. أنهت حوارها مع سعيد المهندس المسؤول عن مشروع آخر. وتوجهت لمكتبه دخلت مها فملا عطرها المكان سابقا اياها ليثير مشاعره وغرائزه. وقف ليحيي هذا التمثال الجميل. مد يده مصافحا وعيونه ما زالت مثبتة على تلك العيون التي حقا عيون مها. جلست مها تسأله عن كيفية العمل على فيلتها التي كان مكتبه مسؤولا عن تنفيذها وعمل ديكوراتها وكان هو بالذات مهندس التصميم الداخلي. كانت تلك الجميلة تعلم أنها تملك مصيدة الفتنة التي لا يستطيع أقوى الجرذان أو الرجال الإفلات منها. وكانت تستخدم الطعم بمنتهى الروعة وكانوا يبتلعونه بمنتهى البساطة.
مر اليوم العملي كأي يوم ما بين رتابة العمل وفتنة الجميلات اللائي يعج الكون بهن. وما بين جد وهزل والكثير من شاي وقهوة ونيسكافيه. غادر عائدا لمنزله.
وحين وصل وأدار مفتاحه اعتقد ان زوجته قد نامت.
ولكن بمجرد دخوله قامت مهرولة إليه تحييه وتسال عن يومه. لأول مرة ربما منذ سنوات انتبه انه لم يسألها ابدا من قبل كيف كان يومها وان فعل لم يسمع ابدا ما قالته.
فهو مشغول بالتفكير في نفسه فهو المرهق وهو من يجب أن يسأل ويدلل ويستمع إليه مهما أطال الحديث. نظر إلى وجه زوجته فلاحظ أيضا للمرة الأولى كم تختلف نظرتها عن تلك النظرات الفاتنة التي أشعلت بجسده كل النيران. هذه النظرة لا تشبه تلك ابدا فتلك نظرة مجنونة سافرة وهذه النظرة دافئة حنونة كما سبق وذكرت كعناق الأمهات. مدت يدها تربت على كتفه وهي تبتسم هل احضر العشاء. ملاحظة أخرى كم تختلف هذه البسمة عن تلك كانت تلك بسمة تذكره أن صاحبتها أنثى تحمل كل مفاتن النساء تدعوه ليرمي كل حيائه خلف ظهره ويتجرد من كل قيود حياته ليخطف لنفسه لحظات متعة. أما هذه البسمة فهي تعيد إليه كل وقاره. تعيده ذلك الفارس الذي يمتطي الأخلاق جواد. تجعله يشعر كم هو مسؤول عن هذه البسمة وكم هي متعلقة به. بسمة كانت دوما موجودة تطبطب عليه في حزنه وفي فرحه وفي لحظات الضيق. بسمة هي نافذة الأمل وشعاع النور الذي يرشده. اما هذه اللمسة على كتفه فكانت عصاته التي أن تعثر رفعته ومنعته من السقوط لا تشعله ولا تثيره لكنها تدعمه وتقويه. انتبه ربما اليوم وبعد سنوات انه يستمد القوة من زوجته بينما تلك الأخرى تحوله لضعيف مثار.
حضرت ندى العشاء وتناولاه معا كان صامتا على غير عادته. لكنها لم تسأل فلا بد انه الإجهاد.
ظلت أحداث هذا اليوم تدور بخاطره. ولكنه كان يعلم أن كل ما يشعر به أو يفعله أو يفكر به إنما مصدره تلك الجينات التي لم يخترها حين خلق رجلا. فالرجل له كل الحق عند النساء يستحق كل حبهن ورعايتهن واهتمامهن وإنما هو شرف لهن أوليست الجنة مربوطة برضاء الزوج؟
هو الرجل بكل غريزته تثيره الفاتنات دون حول أو قوة فأمرهن الدين أن يستترن حتى لا يثرن رغباته الكامنة لا تثريب عليه أن نظر نظرة فهي من فرطت.
عدل وسادته ونظر نظرة طويلة لزوجته النائمة من شدة إرهاقها وحين هم بالمسح على رأسها تذكر أوليس كل ما تفعله هو واجبها. شعر برغبة بأن يستمر بالنظر إليها كأنها آخر مرة قد يراها فيها كان يعلم في قرارة نفسه انه يحبها وهذا يكفيها. اغمض عينيه واستغرق في النوم.
شعر بشخص ما يربت عليه وصوت يناديه فريدة استيقظي هيا ما بك اليوم. فتح عينيه وحين نظر لمن كان يلمسه صرخ ندى أين ندى من انت. أخبره الصوت بجواره يبدو أنك جننت ما بك وامسك بكوب من الماء بجوار سريره ورش ذلك الماء على وجهه. قام من فراشه مفزوعا مندهشا ما هذا أين انا؟؟
دخل الحمام مسرعا كأنه يهرب من شيء ما وأغلق بابه. نظر إلى المرأة وصعق هذا الشعر وتلك العيون هذا الوجه وتلمس جسده نعم انا اعرفه. هذه انا فريدة عدت عادت فريدة لتطرد الرجل وتسكن في جسدها من جديد. غسلت وجهها وهي لا تصدق وتشعر بالغرابة. فتحت الباب وخرجت وسامي زوجها ينظر إليها وهو ما زال في فراشه حكت له فريدة كل ما حدث معها وسألته مها من هي؟؟
ورغم أنها لاحظت تغير ملامحه حين ذكرتها الا انه اعتدل وجلس في فراشه ليستمع لتلك القصة العجيبة. وحين انتهت من روايتها حدق فيها طويلا ثم انفجر ضاحكا وهو يردد انت جننت. في تلك اللحظة دخل احمد الغرفة فوجه سامي حديثه إليه وقال وهو مازال يضحك جنت أمك. هيا يا سيد فريد حضري لنا فطورا شهيا يليق بنا..
عزيزي وامسكت بيده تضعها على رأسها، هل انا محمومة؟؟
واصل سامي الضحك وسحب يده انت مجنونة ولست محمومة. قومي قبل أن نتأخر جميعا لا وقت لهذا الهراء.
كانت فريدة محبطة من ردة فعل زوجها. ثم وجدت نفسها تقوم لتبدأ يومها كفريدة وتحضر الفطور وتفعل كل ما كانت ندى وسواهما تفعله. بعد أن استمتعت بدور الرجل في حلم لا تدري اتفرح ام تبكي لأنها افاقت منه.