المعادل الموضوعي بين الواقع والمتخيل في «معزوفة الولد الشريد» لمحمد عبد الرحمن شحاتة

المعادل الموضوعي بين الواقع والمتخيل في «معزوفة الولد الشريد» لمحمد عبد الرحمن شحاتة

حنان عبد القادر 

اللوحة: الفنان الفرنسي جول باستيان ليباج

لماذا يحملنا الشعر دوما إلى أغوار الذات المغتربة بروحها عن مادية الجسد؟ يحاورها، يشاكسها، يجرحها، وفي ذات الوقت يحمل في طيات بوحه علاجها؛ وكأنه يقع في منطقة وسطى للبوح بالمكنون دون إدانة، والاعتراف بالألم والخطيئة والضعف دونما خجل!

لماذا يحمل الشعراء دوما في أرواحهم مواجع الاغتراب، تمزقهم وتحتل مشاعرهم دونما فكاك؟

كلما قرأت نصا أعجبني لشاعر؛ وجدتني أدور قسرا في فلك تلك التساؤلات، ولا مناص منها ولا محطة للرسو بأمان؛ فتأخذني معها لأعاني ما يعاني، وأكاد أرى ما يرى وأشعر بما يحسه وأعيش فيه.. هذا ما يحدث عندما أقرأ نصا يعجبني للشاعر محمد عبد الرحمن شحاتة.

في ديوانه الأخير “معزوفة الولد الشريد” الصادر عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع. تبوح قصائده الـ (١٨) التي ضمها الديوان بآلام الغربة، والذات المثخنة بمواجعها، وقصيدته التي حمل عنوانها الديوان “معزوفة الولد الشريد” لا تخرج عن ذلك، وإن اتبع فيه الشاعر مساراً مختلفاً، فالنص يبدو في ظاهره مشغولا بقضية إنسانية بعيدة عن الذات وأوجاعها، لكنه في باطنه مشغول بالذات الشاعرة ورؤاها وعذابات الغربة التي تكابدها كما سنرى. ويمكن القول إن الشاعر عمد إلى «معادل موضوعي» إن صحت التسمية، ليقدم من خلاله رؤيته الذاتية حول الحياة بما فيها من آلام المنافي والاغتراب.

بدايةً

للنص الأدبي سلطته وجاذبيته التي تدفع المتلقي للتعاطي معه على المستوى المعرفي والجمالي والنفسي على حد سواء، يحمله لرؤية واقعه وما يدين به من قيم وأخلاق وثقافة، فيرى مدى تناقضات الحياة، مما قد يدفعه للثورة التي تؤدي للتغيير.

يقول الناقد الفرنسي رولان بارت في كتابه النقدي “نقد وحقيقة”: “النص مصنوع من كتابات متراكبة، وهو نتيجة لثقافات متعددة، تتداخل كلها مع بعضها البعض في حوار ومحاكاة وتعارض، ولكن ثمة مكان تجتمع فيه هذه التعددية.. هذا المكان ليس الكاتب كما يقال، إنما هو القارئ”.

 والكتابة عموما تعد نوعا من الخلق المبدع، ولا يمكن عزلها عن الواقع الذي أنشئت فيه، ورغم انفصال المبدع مبدئيا عن واقعه أثناء الكتابة، وانشغاله بالعلاقة التي ينسجها مع اللغة، والمفردات والعبارات التي تجسد أسلوبه في النص؛ إلا أنه – أي الواقع – يتداخل في مخيلته من خلال ما يحمل في ذاكرته من وقائع وتجارب عاشها بالفعل، فيفرض عليه، سواء كان عالما أو جاهلا بذلك، اختياراته لألفاظه ولغته وصوره التي تحدد جماليات نصه.

معزوفة الولد الشريد

يستدعي الشاعر محمد عبد الرحمن شحاتة في هذا النص مشهدا حركيا سينمائيا – إن جاز التعبير – يكاد يكون مألوفا للجميع؛ ليكشف لنا أغواره ومعاناة بطله الحاضر الغائب الذي سلط عليه الضوء لنرى جوانب من حياته، ربما لم يلتفت لها المارة الذين يتعثرون بمثله كل يوم مجيئا وذهابا دون أن يتوقفوا برهة ليتساءلوا ما به.

يبدأ بوصف بطل المشهد، وهو قصدا، يثير شفقة القارئ ويستحث إنسانيته؛ فالبطل طفل مشرد لم تتجاوز عدد سنوات عمره عدد الأصابع، لم تفارقه ذكريات الطفولة بعد، يقف ممزق الثياب كل رقعة فيها توقيع ألم تركته الأيام على جسده وروحه، قدماه عاريتان يلتهمهما ثلج الطرقات أو جمرها، وهو مجبر أن يجوبها طلبا لقوت يومه.. ربما تحصل عليه، ربما عاد خاوي الوفاض:

في الشَّارعِ.. اشتَعَلَتْ جِراحٌ

في العَرَاءِ.. تَجَمَّدَتْ قَدَمٌ على ثَلجِ الطَّريقِ

العُمرُ.. آخِرُ ما يُعَدُّ على الأصابِعِ

ذِكرياتُ طُفُولَةٍ

وحَنينُ مَن سَبَقوا إلى ما يَستَحيلُ بِهِ الرُّجوعُ

الأرضُ تَحتَكَ جَمرَةٌ.. والكونُ حَولَكَ يَستَديرْ.

أُصغِي لِوَجهِكَ.. واكتِمالِ الحُزنِ في عَينيكَ

أنتَ.. كَما تَشاءُ لَكَ القَصائدُ أنْ تَبوحَ

كَما تَشاءُ لَكَ الشَّوارِعُ أنْ تَسيرْ

مَاذا تُخَبِّيءُ خَلفَ ظَهرِكَ؟

خُبزَ يَومِكَ؟

أمْ تَجَلِّيكَ المؤَقَّتَ في المَساءِ؟

طفل شريد، ليس له من رسول غير بشرة سمراء ووجه يعزف ما تبقى من براءة لحنا يجتذب المتعطفين عليه، ولا حيلة يملكها غير بيع المناديل أو الورود التي تشبهه ولا يشبهها، يجوب الزحام والطرقات، يتوقف عند شارات المرور، ، ينادي بصوت مبرمج مثل آلة تهدر، وتُهدَر معها براءته:

مَعزُوفَتي وَجهي.. وبَعضُ ملامِحي السَّمراءِ

ثَوبٌ.. يَحمِلُ الأيّامَ بَينَ خُيوطِهِ رُقَعًا، وآلامًا

ويَحمِلُ قلبَ طِفلٍ لَمْ يَذُقْ عَزفَ الطُّفولَةْ

باعَ المَنَاديلَ / الوُرودَ على الإشارةِ في الزِّحامِ

وظلَّ يَعبرُ مِن هُناكَ إلى هُنا

ويظلُّ يَهدِرُ مَثلَ آلَةْ

ثم يحملنا الشاعر مع هذا الولد في رحلة شقائه واغترابه، فلا مأوى له إلا الرصيف، والرصيف مأوى للمطر والصقيع، وبساط للزحام وللمارة المتخبطين فيه دونما انتباه، يجلس وحيدا يلتحف العراء، في ليل لا أنس فيه سوى ضوء نوافذ البيوت، وصوت طفل – مثله – يبكي لرغبته في أكل كعكة أخرى، بينما يطوي على الحرمان روحه فيأباه النعاس، فقد ضل النوم الطريق إليه، ولا سمير له غير تلك الشرفات التي مازالت يقظة، يلوذ برأفتها كي لا تنام وتتركه وحيدا في ظلام هواجسه وبرد الشتاء.. مشهدان متضادان يعكسان مرارة وضياعا ومذلة حسرى، لقلب شريد:

ضَوءُ القَناديلِ امتدادُ الدَّمعِ في عينِ الغَريبْ

وبُرودَةُ الإسفلتِ تَدفَعُنا لأوَّلِ عَطفةٍ

لننامَ في رُكنٍ مِنَ الأركانِ نلتَحِفُ العَراءَ

نَغيبُ نَحنُ كَمَا أتى هَذا المَغيبْ

يا هذهِ الشُّرفَاتُ رِفقًا.. لا تنامي الآنَ

إنّي ساهِرٌ حَتَّى الصَّباحْ

أُصغي إلى الضَّحِكاتِ

والوَلدِ الذي قال:

امنَحوني كَعكةً أُخرى وأمعنَ في الصِّياحْ

يا هذهِ الشُّرفاتُ لا نَومٌ يَجيءُ

النَّومُ قَد ضلَّ الطَّريقْ

هيَّا امنَحينِي قَشَّةً

تُنجي مِنَ الطُّوفانِ تَنتَشِلُ الغَريقْ

هذا المشهد – كما ذكرت – ليس جديدا أو فريدا، وربما انتبه إليه البعض وتحدثوا عنه، تناولوه في أدبياتهم، لكنهم يتاجرون بعزف أوجاعك أيها الشريد، ولا يهمهم ما تهوي إليه من ضياع، يبيعونك الأحلام حلوى، والحلوى فقط للمترفين، وعودهم كلام في كلام في كلام، والكلام كأشجار الخريف لا ثمر ولا أوراق تسترها من عصف الرياح:

أوتَارُ كلِّ العازفينَ تُجيدُ رَسمَ حِكايَتَكْ

مَن عَلَّمَ الأوتَارَ تَعزِفُ قِصَّتَكْ؟

قَد لا تَرى الأحلامَ؛ فالأحلامُ حَلوى المُترَفينْ

والحُلمُ في الطُّرقاتِ لا مأوى لهُ

إذ إنَّ في الطُرقاتِ لا مأوى سوى للمُتعبينْ

ليلًا.. أصافِحُ قلبَكَ المغروسَ فِي صَدرِ الرَّصيفْ

فالعابرونَ على ضِفافِ الحُلمِ أشجارٌ يُمزِّقُها الخَريفْ

قد تتساءل عزيزي القارئ: ما الفارق إذن بينهم وبين شاعرنا؟ وهو سؤال في موقعه، ولأجيبك عليه، دعني آخذك على جناحين متقابلين يكمل كل منهم وظيفة صاحبه: المعادل الموضوعي، واللغة بصورها ودلائلها.

أولا: المعادل الموضوعي

لقد اتخذ الشاعر من الولد الشريد معادلا موضوعيا لذاته المغتربة المشردة، ولذوات الآخرين واغترابهم، فهذا الشريد كأنه هو.. يتذكر أحيانا به زوايا من طفولته، منزله الذي تعبقه رائحة خبز أمه، ومراحل من اغترابه عن ذاته وعن وطن غاب، فأصبح هشا تبعثره الريح بلا رؤى أو حلم يلوذ به، فنراه يقول:

عُتباكَ يا هذا الشَّتاتْ

يَمشي خَفيفَ الظِّلِ يَخشاهُ المَمَاتْ

ويقولُ:غَنَّيتُ

الشَّوارعُ في لَهيبِ القَيظِ تَحرِقُ أُغنياتِ الهاربينَ إلى السُّباتْ

والعائدينَ مِنَ السُّباتْ

وكذا حواديتُ الطُّفولَةِ حينَ أذكرُها فَتَصحو الأُمنياتْ

فَلِخُبزِ أُمّي ذِكرَياتْ

وَلسَقفِ مَنزِلِنا الذي ضَيَّعتُهُ وأضَاعَني

ظِلٌّ يُصارعُهُ المَواتْ

مَعزُوفَتي يا نايُ بَحَّةُ صَوتيَ المَطعونِ مِن سَيفٍ يُباغِتُني ويَسكنُ بينَ ضِلعينِ

ابتساماتي.. بزوغُ الزَّيفِ في وجهِ المَرايا

في أيِّ لَيلٍ بَعثَرتني الرِّيحُ وانطفأتْ رؤايا؟

وهو في مكان آخر من النص، يتساءل بينه وبين نفسه بأسى عن المكمن الذي بزغ منه هذا الشريد؛ ليذكره بكل ظلام الروح وقتام الوحدة وصقيعها، فها هما يبذران المعاني.. الكلمات؛ علهما يحصدان في نهاية الشتاء بعض الغناء، لكن الليل مدلهم، والحزن قاتل، لم يترك له غير قلب شاعر لم يجد إلا احتراف البكاء:

مِن أيِّ أرضٍ جِئتَ؟

مِن غَيبِ المَسافاتِ البعيدةِ.. مِن قَتامِ الجُبِّ.. مِن بَحرِ الظَّلامْ

تَمشي ويُخطِئكَ الزِّحامْ

تَمشي.. وروحُكَ لا قرينَ لها سوى خَفقِ اليَمامْ

بالأمسِ كُنتَ.. ولَم يَكُنْ إلا الشِّتاءْ

كانَ الرَّصيفُ مَرايةً للعابرينَ

وكُنتَ وحدَكَ تبذُرُ المَعنى؛ لتحرُثَ عِندَ آخرِ عابرٍ شَغَفَ الغِناءْ

لا اللَّيلُ يُخفي حُزنَ قلبِكَ خلفَ رَونَقِ نَجمةٍ

أو يصطفيكَ كشاعِرٍ ضَلَّتْ خُطاهُ الحرفَ فاحتَرَفَ البُكاءْ

وهو معادل موضوعي كذلك للأخرين المغيبين عن ذواتهم وإنسانيتهم، فهم يقصون الأساطير عنك – أيها الشريد – منذ الأزل، وللآن رغم كل الحكايا، مازلت كما أنت، مشردا بلا مأمن من عواصف الزمان، يتلون عنك رواياتهم وهم لا يعلمون أنهم إنما لا يتلون إلا أسفار تغريبتهم، فقد صاروا بلا مشاعر، وجوههم شريدة ودموعهم جليد:

وكذا بمِعطَفِكَ الوَحيدِ حِكايةٌ لا تَنتَهي

تُتلى عَلَينا مِثلَمَا تُتلى أساطيرُ الزَّمانْ

طابَتْ خُطاكَ.. وطِبتَ يا هذا الشَّريدْ

ضاقَتْ عليكَ الأرضُ في المَنفى البَعيدْ

لَستَ المُشَرَّدَ إنَّما هذي الوجوهُ شَريدَةٌ

ودُموعُ عَينَيها جَليدْ.

ثانيا: اللغة.. صورها ودلائلها

بداية من العنوان: “معزوفة الولد الشريد” يأخذنا الشاعر على جناح الإضافة والوصف مخبرا إيانا ضمنا أننا سنستمع معه لمعزوفة حزينة، يتجلى الحزن فيها من تمثل الخيال للولد الشريد، ويضعنا على عتبة مفارقة وسؤال: هل هو الشريد؟ أم نحن؟ أم ثمة آخر مشرد سيعزف لنا حزنه؟

ثم يبدأ مباشرة باستدراج تعاطفنا بوصف لشيء من معاناة الشريد، مستخدما الاستعارة والكناية والتشبيه: “في الشَّارعِ اشتَعَلَتْ جِراحٌ، في العَرَاءِ تَجَمَّدَتْ قَدَمٌ على ثَلجِ الطَّريقِ.. الأرضُ تَحتَكَ جَمرَةٌ“، ثم يزيد تعاطفنا من خلال تبيان عمر المشرد بوجهه الحزين الذي يحرك فينا عواطف الأبوة والأمومة: “العُمرُ.. آخِرُ ما يُعَدُّ على الأصابِعِ.. أُصغِي لِوَجهِكَ.. واكتِمالِ الحُزنِ في عَينيكَ“.

ومن خلال الأساليب الخبرية والإنشائية ينتقل بنا من الشريد الذي أوجعنا به، إلى الشريد الحقيقي وهو ذاته وذواتنا جميعا: أشفَقتُ مِنكَ عَليكَ.. يا شَغَفي عَليكْ.. مِن أيِّ أرضٍ جِئتَ؟.. مِن غَيبِ المَسافاتِ البعيدةِ” مصورا بعد ذلك مدى اغترابه وحزنه ووحدته في لغة سهلة شفافة: “وكُنتَ وحدَكَ تبذُرُ المَعنى..لا اللَّيلُ يُخفي حُزنَ قلبِكَ.. أو يصطفيكَ كشاعِرٍ ضَلَّتْ خُطاهُ الحرفَ فاحتَرَفَ البُكاءْ.. لِشحوبِ مِعطَفِكَ القَديمِ حِكايةٌ أُخرى.. تَخَيّلْ أنْ تَموتَ نَضارةُ الرَّيحانِ.. ثَمَّ رائحةٌ سَتَبقى كُلَّمَا مرَّتْ رياحُ العُمرِعَبَّقَتِ المَكانْ.. وكذا بمِعطَفِكَ الوَحيدِ حِكايةٌ لا تَنتَهي”

نعم، إن معزوفة الاغتراب والوحدة لا تنتهي، قدم لنا الشاعر محمد عبد الرحمن شحاتة في هذا النص معزوفته، ولكل منا معها معزوفة خاصة، ربما تتقاطع مع معزوفات الآخرين أو توازيها، لكنها في النهاية، سيمفونية الحزن الأبدي الذي يكابده الإنسان أينما وحيثما حل على وجه الأرض.


قصيدة «معزوفة الولد الشريد»

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.