اللوحة: الفنان الفرنسي ادوارد ليون كورتيس
لم أندهش من تلك النظرة الجرانيتية المتكبّرة التي تعلو وجه الخادم، لم يكن ما يفعله عبثًا، فهو يؤدي دوره الذي يؤجر عليه بإتقان . وقفته مشدود القامة، يمينه المفرودة بجانبه، شماله التي تقبض على برّاد كبير، تتساقط منه قطرات ساخنة في مياه البحر.
كم أشفقت على ذاك السيّد الذي يستحم في مياه البحر، رأيته يرتعد، وقد هجره نعيمه وحلّ بوجهه بؤس شديد، لا أظنه جرّاء المياه المتلاطمة الباردة المظلمة التي تحيط به .
ليست المرة الأولى للرجلين، فللحمام الصباحي طقوس لا حيدة عنها للطرفين، ينزع السيد ثيابه كاملة، يقفز بمياه البحر الباردة، يرتعد جسده بشدة، تبدأ أطرافعه في التجمّد، من بين أسنانه التي تصطك بشدة ينادي خادمه: أسرع، الصقيع يكاد يقتلني .
يقترب الخادم ببطء معهود عنه، يرفع رأسه بأنفه اكتسبها من وظيفته، يقترب من سوار السفينة الخشبية، يلقي نظرة علوية على سيّده، ثم يمطره بعبارات يضغط على نهايات حروف كلماتها، كأنها تخرج من قاع بئر عميقة :يا سيدي، لقد أشعلت الموقد منذ برهة .. ثم أخفض صوته، حتى كأنه يهمس لنفسه: لكنك تعجّلت ككل مرة ’ قد لفتُّ نظرك كثيرًا أن أوساخ جسدك التي تلطّخك من أوحال تسوقك إليها قدماك، أدران ذنوبك القديمة، هذه وتلك لا تزولا ببرودة المياه القارصة!
ثم غاب بداخل المركب الكبير، عاد بعد دقائق، يحمل برّاده الفضّي بيساره، وانحدرت من عينيه بنظرة قرف يعرفها السيد، من عقود طويلة، وأدمن التعايش معها لغاية غابت عن عقولنا جميعًا، غمُضت علينا تلك الحبال الخفيّة التي تربطهما ببعض، لكم لاحظنا حنق السيد على خادمه، غيظه الذي ذهب ذات مرة إلى مدى لم نتصوره، حتى خشينا على الخادم مغبّة رعونته مع سيده وجرأته عليه، لكن سكنت ريح الثورة بعد فترة قصيرة، ثم عادت العلاقة بينهمت لوضعيتها التقليدية من عشرات السنين، نفور مقيم بينهما، مصلحة تعَمَقت واستقرت بقرار معين .
كانت نظرات السيد وهو يرى تعاقب قطرات المياه الساخنة تسقط في مياه البحر، تنبئ عما يدور بداخله، كل نقطة دافئة تهوي أمام عينيه، يرى فيها خلاصًا من إرث ثقيل، جذوة قد تُشعل بريق الحياة الخامدة من زمن بعيد، آمن أن ما يقدّمه خادمه المطيع إليه، سحرًا عجز أو تقاعس عن فك طلاسمه، يؤلمه ذلك المزيج من الكراهية والصبر على المكاره، يمقت وجوده، يضطرب إن غاب عنه سويعات !
أفاق على صوت نحاسي يلقي بنصيحة أقرب لتحذير، قبيل أن يفرغ الإناء: يا سيّدي، عاصفة قادمة في الأفق البعيد !
كتبت القصة من وحي الصورة المرفقة
