اللوحة: الفنان الفلسطيني محمد الركوعي
عندي في مسألة المعاجم والوقت، مشكلة قديمة، فما تكاد تدخل معجماً تستشيره في لغة أو أدب، حتى يستدرجك طويلاً إلى عالم مسحور يضاعف إحساسك بشيئين مهمين، إحساس بمتعة حقيقية، ثم إحساس بأننا نحن العرب، لا نعرف من لغتنا إلا ما يعرفه صبي يُبطْبطُ على الشاطئ الضحل للمحيط غير الهادئ.
أما مشكلتي التي استجدت فقد كانت منذ عرفت صاحبتنا هذه.. “الإنترنت”.. دوّختني، وكنت نادراً ما أدوخ، ونبهتني إلى أن المعاجم في مسألة الوقت المبذول، لا تزيد على صبي يُبطبِطُ على الشاطئ الضحل للمحيط.. رحت أترحم على السرعة التي أخرج بها من القاموس المحيط والفيروزبادى.
ذات جولة أخيرة على الشبكة، وفي موقع http://www.arabvista.com الذي زرته بغرض الكتابة عنه، وجدته بما يعرضه من مادة ثرية شيقة، يصرفني بنفسه عن نفسه، لتتأجل الكتابة عنه إلى أنابيش قادمة بإذن الله، ذلك أنني وجدتني أسيراً لموضوع فيه، حيٍّ جداً، حادٍ فعلاً.. موضوع يجري حول عاصمة الأحداث التي استقطبت أنظار الدنيا..”القدس”، تلك المدينة التي نراها فى الآونة الأخيرة وهي إن شاء الله تجتاز الأمس، لتجاوز هامتها أهداب الشمس، حتى أن حجراً واحداً من أحجارها الشابة، وبيتا واحدًا من حى ” الشيخ جراح”، لجدير بأن تنحني له جباه النجوم، بل هو جدير بأن ينافح عنه كل ذي ضمير شريف، حتى لو قام على كل حبة رملٍ شهيد .
الحاخام الإرهابي الشهير “مائير كاهانا” أسس رابطة تسمى “رابطة الدفاع اليهودية”، كتب وثيقتها، “دانيال باسيباس”، وهو يهودي صهيوني أمريكي.. هم يصرون في الوثيقة على أن “القدس هي أعظم مدينة دينية بالنسبة لليهودية”، وأنها “شعار الوطن اليهودي”، أو أنها “الوطن الروحي لليهود”!! إلى غير هذه المزاعم مما سوف ترى – عزيزي القارئ – في هذا الحوار مع يهودي صهيوني مفترض، يقاتل دون الأفكار التي حوتها الوثيقة إياها.
الغريب في الأمر، أن الدعاية اليهودية بلغت في الترويج لهذه الأفكار المغلوطة، مدى من الإلحاح، جعل “البروتستانتية” والكنيسة “الكاثوليكية” تتحمس لها، وحتى بلغ من ضغط الصهيونية المسيحية، أن أصدر الكونجرس الأمريكي عام 1995، قانوناً يوجب نقل السفارة الأمريكية من “تل أبيب” إلى “القدس”، تأسيساً على أنها “الوطن الروحي لليهود”.
وأنت تتابع هذه الادعاءات، فلا تملك إلا أن تخرج عن صبرك، حين تجد لها عند الكثيرين حضوراً يزحم عليك أنفك، حتى ليجده هؤلاء المخدوعون موسيقا دونها كل نغم، وفكراً دونه كل منطق، فإذا حاولت أن تثبت فساد هذا الفكر، وجدت من يرميك بالرعونة وتعطيل المسيرة، وجر حركة التاريخ إلى الاتجاه المعاكس، ولن يحفظ عليك توازنك هنا، إلا يقين في عدالة القضية لا يعرف الحدود، يقين كيقين شباب بيت المقدس، وهم يواجهون الموت بصدورهم العارية غضباً للحرم، ثم لا عليهم بعد ذلك، إلا أن يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة. ولنبدأ الحوار:
– أقاوم رغبة في استدعاء عبارة تناسب المقام، لكاتب عربي شهير، تلك هي قول “مصطفى صادق الرافعي”،شيخ العربية، أن بعض الأدمغة تذكرك ببعض الكتب، جلد ملفوف على ورق، وورق ينطوي على ما لا يساوي معشار ثمن الجلد.. هذا وصف ربما يناسب كثيراً، ما نحن بصدده الآن.
– هجوم منذ البدء على وثيقة “رابطة الدفاع اليهودية”، وكاتبها؟ يحسن أن نهدأ ونلتزم الموضوعية.
– سوف يكون لك الموضوعية والمنطق الصارم والمجرد وسوف تعرف أن العبارة السابقة شديدة الموضوعية رغم قسوة التشبيه، ولن أعتمد فوق ذلك، على مأثوراتنا الإسلامية في الحوار فأنت لا تؤمن بها طبعاً.
– لم يبق في الدنيا إلا أنتم، تنكرون أن القدس هي أعظم مدينة دينية في الديانة اليهودية.
– دعني أعلق على هذا الإنكار بسؤال غاية في الأهمية والتحديد، لأن الإجابة الموضوعية عنه تكشف بقوة عن سبب هذا الإنكار: ما اليهودية؟ وما العلاقة بين “القدس” من ناحية، وبين “موسى” عليه السلام و”التوراة” التي نزلت عليه، وبني إسرائيل الذين حملوا التوراة وشريعتها من الناحية الأخرى؟ دعني إذن أجيب، فاليهودية هي شريعة نبي الله موسى التي جاءت بها الألواح والأسفار التي تلقاها عن ربه، يوم واعده أربعين ليلة.. أما عن العلاقة، فإن موسى نبي اليهودية ولد، ونشأ، وعاش، وأرسل، ومات، ودفن في مصر، ولم تر عينه القدس بالمرة، هذه واحدة، أما الأخرى فإن التوراة التي نزلت من السماء، نزلت باللغة “الهيروغليفية” لغة مصر القديمة، ولم تكن “العبرية” قد وجدت بعد، فالنبي موسى مصري، وكتابه نزل بلغة مصر، وبنوا إسرائيل كانوا في مصر، فعن أي علاقة بين “اليهودية” و”القدس” تتحدثون؟ وكيف تكون القدس بعد ذلك “وطناً روحياً لليهودية”؟؟
– أمرك عجيب فعلا.. ألا ترى اليهود يستقبلون القدس في صلواتهم؟ ويذكرونها على الدوام، بل يختمون صلاة “الفصح” بالعبارة الحزينة: “العام القادم في القدس”؟ ألا تكون على ذلك وطننا الروحي وعاصمتنا الأبدية؟
– تلك هي الموضوعية التي طالبتني بها؟ حسناً!! “الأرثوذكس” و”الكاثوليك” و”البروتوستانت” في أنحاء العالم، يصلون إلى “القدس” ويحجون إليها، فهل ينشئ لهم ذلك حقوقاً سياسية أو سيادةً تجعلها عاصمة أبدية لطائفة من المسيحيين؟ ألا تلاحظ أن الكلام على هذا النحو هو أشبه بالسِّفْسطة منه بالنقاش؟ وهل تنشئ صلاة المسلمين إلى مكة وهم من مسلمي الصين مثلاً، حقوقاً سياسية أو سيادة لسكان الصين، فنصبح نحن على مطالبتهم بأن يكون المسجد الحرام عاصمتهم الأبدية؟
– وهل تنكرون أن داود وابنه سليمان قد عاشا في القدس، وأن سليمان بنى هيكلاً لليهود؟
– لا أحد ينكر ذلك ولا ينوي.. ولكن اصبر أسمعك أمرين: الأول هو أن كلاً من داود وسليمان في مفهوم اليهود، ليس من “الأنبياء” ، إذ هما عندكم من ” الملوك” ، ومن هنا تصبح العلاقة بينهما وبين القدس هي علاقة سياسية لا علاقة دين، والآخر وهو مهم جداً، أن فترة داود وسليمان، إذا قيست إلى ستة آلاف عام هي تاريخ “القدس”، لم تبدُ إلا ساعة في عمر شديد الطول، وقد عاش داود وسليمان كلاهما في القرن العاشر قبل الميلاد، والعمر يومئذ في القدس ثلاثة آلاف سنة، بعد ن أسسها “اليبوسيون” أجداد العرب، لم يعمر داود وسليمان وكل العبرانيين بالقدس، إلا أربعة قرون تقريباً، هذا كلام ثقات المؤرخين لا كلامي، فهل يمكن لعاقل أن يبنى لليهود حقاً وسيادة وعاصمة في القدس أبدية، على أساس هذا التفكير؟ وهل يجوز والحال هذه، أن يصبح المسلمون فيطالبون بحقوق سياسية وسيادية في البرتغال وإسبانيا، لأنهم أقاموا هناك حضارة عاشت ثمانية قرون؟ وهل تطالب “اليونان” اليوم بسيادة وعاصمة في مصر، لأن الإسكندر المقدوني (356-324 قبل الميلاد)، أقام في مصر وبنى المعابد وترك خلفاءه المقدونيين نحو عشرة قرون؟
– وهل يستطيع عاقل أن ينكر أن “سليمان” حكم في القدس وبنى فيها هيكله المقدس؟
– أنا معك، لا أحد ينكر، ولكن أحداً لا ينكر أيضاً أن هذا الهيكل قد دمره البابليون فيما دمر من مملكة “يهوذا” عام 585، أيام “السبي البابلي” المشهور.. قصةٌ، وانتهى الأمر.
– الأمر لم ينته يا سيدي، لقد أقام المسلمون “المسجد الأقصى” على أنقاض هذا الهيكل، ولم يزل مطموراً، ولا بد من إنقاذه بكل ثمن، تلك مسألة حياة أو موت.. هذه بقاياه موجودة في حائط المبكى.
– أسألك بصراحة، أرجو أن تجيب بها إن استطعت:
ألم تشكل “إنجلترا” سنة 1929 لجنة ملكية، كان حكمها صفعة مدوية إذ حكمت بأن ما يسميه اليهود “حائط المبكى”، هو “حائط الْبُرَاق” الذي هو جزء أساسي من الحرم القدسي، وأن اليهود ليس لهم فيه دعوى؟ دعني أسألك أيضاً.. ألم تقوموا بالتنقيب والتخريب منذ أكثر من ثلاثين سنة بعد نكسة 1967المصرية، حتى قلبتم الأرض ظهراً لبطن تحت الحرم، فهل وجدتم ما تزعم الصهيونية من حكاية الهيكل؟ أم أن القصد المخبَّـأ، هو هدم المسجد الأقصى والسلام؟ حتى لو كانت يهودية الصهيونية قد أصبحت ولا علاقة لها بما جاء به نبي الله “موسى”؟ ، لقد غدر اليهود بكتابهم وأنبيائهم وقتلوهم واستحقوا لعنة الله منذ القديم، فما بالنا بالخلف الذي جاء من بعدهم إلى اليوم؟ ثم هناك سؤال أكثر حدة لعلك تجيبني عنه الآن وهو: من هو “اليهودي” في فهمكم؟
– هو من كانت أمه يهودية.
– حسنًا جدا.. هل يكون الدين في دماغ لها عقل، مبنياً على أساس بيولوجي؟ ألا يدخل هنا أناس لا علاقة لهم ببني إسرائيل حتى لو كانوا ملاحدة أو أبناء زناً، أو ينحدرون من حيث ينحدرون، وإذا كان الأمر على ما زعمت، وعلى ما أجبتك أنا، فأين العلاقة بين اليهودية وبين القدس؟، ثم أين العلاقة بين يهوديتكم، تلك البيولوجية العنصرية، وبين اليهودية التي جاء بها موسى عليه السلام؟ أرأيت إلى تهافت الفلسفة التي قامت عليها وثيقة “رابطة الدفاع اليهودي” التي صاغها صاحبكم “باسيباس”؟ ألم أكن محقاً وموضوعياً عندما استشهدت في بداية الحوار، بعبارة “الرافعي”، تلك التي أغضبتك بقسوة التشبيه؟
– كل هذا لا يغير من الأمر شيئاً، “القدس” عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل، ذلك هو منطق اليهود، يسنده ألف منطق من الواقع!
– علينا أن نميز بوضوح بين واقعية التاريخ، وواقعية السياسة، فالسياسة رهن بمتغيرات رجراجة تقلبها أحياناً ظهراً لبطن، والتاريخ حقائق تتأبى على الموت وإن انزوت فى الظل المزيف أحياناً.
– وهل تجدون في التاريخ الذي يتأبى على الموت، ما تزعمونه من علاقة بين إسلامكم والقدس؟ إن القدس يا عزيزي لا يصلي إليها مسلم واحد ، ولم تُذكر باسمها مرة واحدة في قرآنكم، بل إنها لا ترد على لسان المسلمين في الصلاة، ثم هي فوق ذلك، تأتي في ذيل المدن بعد مكة والمدينة وهي بعد، ليست مرتبطة على نحو ظاهر بأحداث حياة نبيكم محمد، وفوق ذلك فهي لم تكن مركز ثقافة أو عاصمة لدولة إسلامية، – لقد سكتُ عليك كثيراً، فاصبر أُسمعْك – إن ما تزعمونه باطل حول تفسير آية في القرآن عندكم هي “سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى”، فما فهمتموه أو ما أشعتموه هنا، هو فهم مشبوه أو هو مشتبه على الأقل، فحين أسرى بمحمد كما تقولون، لم يكن في العالم شيء اسمه “المسجد الأقصى”، إذ بني هذا المسجد بعدُ في عهد “عبد الملك بن مروان” وابنه الوليد، فكيف أسرى بنبيكم إليه إذن؟ هل كان إسراء محمد بعد موت محمد بنحو مائة سنة؟ أم تحسبون التاريخ بلا ذاكرة، والناس بلا عقول؟ أين المنطق الصارم والموضوعية التي زعمتها في بداية الحوار؟
– على فكرة!! أجدني الآن أشد حاجة إلى الاستشهاد بعبارة “الرافعي” فربما شفتْ أنفسنا مما نجد، فهذه أسئلة محكومة بهوىً أهوج يتجاهل ما تعلّم، بدلاً من أن يتعلم ما جهل.
غير أني محكوم بحدود المساحة المتاحة، وقد يكون في مقال قادم فسحة للحوار، أرجو أن تكون متاحة فى صدرك أيضاً.