اللوحة: الفنان الفلسطيني محمد الركوعي
لعل وقتاً منذ حوارنا في المقالة الماضية، كان كافياً للاقتناع بما سمعت مني فالرجوع إلى الحق – بعيداً عن لجاجات السياسة، وحزازات النفوس، خير من التمادي في الباطل.
– دعك من هذا، فإن للأمر عندنا جذوراً أعمق من الشهور والدهور، وأدلة أقوى من جميع ما زعمته من براهين لا تقنع إلا أمثالكم من المسلمين، ثم هي تبقى عاجزة عن تغيير الواقع، فـ”القدس” عاصمة إسرائيل الموحدة، وستبقى كذلك ما بقي للشمس مشرق ومغرب.. هذا هو الواقع، وهذا هو الممكن الوحيد.
– خطأ منهجي وقع فيه من هو أشد قوة منكم، وأصلحه من الشعوب من هو أقل قوة منا.. اسأل الواقع.. أين “التاج البريطاني” مثلا، ذلك الذي لم تكن تغرب عنه الشمس؟ إن علينا أن نفرق منهجياً، بين “واقعية السياسة”، و”واقعية التاريخ”، كما قلت لك، فالسياسة أمر رجراج يدور مع المصلحة بل مع الهوى، والتاريخ حقائق ثابتة تستعصي على الموت حين تخنقها المصلحة والهوى، فلا تلبث أن تنتفض من بين الرماد كطائر “الفينيق” الأسطوري، لتجعل السياسة تبلع لسانها وتنهزم، ثم تتردى إلى ظلمات النسيان.
– وهل وجدتم في التاريخ الذي يستعصي على الموت، أن القدس للمسلمين؟ إن القدس ياعزيزي، لم تذكر باسمها مرة واحدة في قرآنكم كما قلت لك، بل لا يصلي إليها مسلم واحد كما نصلي إليها نحن كل يوم، ولا أحد يذكرها في صلاة، فإذا تلمستها في الذي تسمونه “الحديث النبوي”، وجدتها ذيلاً يتبع مكة والمدينة، ثم ألا تلاحظ أنت ومن يحطبون في حبلك، أن القدس لا ترتبط على نحو ظاهر بأحداث حياة نبيكم محمد، وهي مع ذلك وفوقه، لم تكن مركزاً لثقافة إسلامية أو عاصمة لدولة؟ لقد صبرتُ عليك حتى ضاق صدري، فالآن اسمع غير مسمع، فإنه باطل ما تزعمونه من تفسير آية وردت في كتابكم “القرآن”، من قوله “سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى..”، لقد فهمتم النص فهماً أموياً، ثم أشعتموه، فراح باطلاً يرن في باطل، فحين أسري بمحمد كما تزعمون، لم يكن في الأرض شيء اسمه “المسجد الأقصى”، كيف، وقد أنشئ هذا البناء من بعد في عهد عبد الملك بن مروان الأموي وابنه الوليد كما أكدت لك؟ كيف أسري بمحمد إليه إذن أم تحسدوننا على ما آتانا الله من فضله؟ هل تظنون الناس بلا عقول؟
– لولا أني وعدتك أن أكون صبوراً وموضوعياً، لما قاومت رغبتي في استدعاء عبارة “الرافعي” من جديد، فربما شفَتْ أنفسنا مما نجد.. فاسمح لي بهامش ضيق من “الفضفضة” وقد غلبني التشبيه.. فإنني أتصور أن هذا السيل من الأسئلة التي قذفتني بها، لو مسخه الله شيئاً غير الحروف والأصوات، لطار ذباباً يملأ الوجوه ويثير الغثيان.
– دعنا من حديث المشبه به، وأجب عن المشبه. ذلك أفضل.
– تستفزني بهذا الهدوء المصطنع؟.. حيلة لا تنطلي على مثلي، لا بأس، لندخل فيما جئنا من أجله، فاسمع كما صبرت عليك.
– أما أن “القدس” قد تأخرت في الترتيب النبوي من حديث شد الرحال، فحسبها أن تصدرت الترتيب التاريخي، فجاءت أول قبلة للإسلام حين فرضت الصلاة على المسلمين، وحسبها أنها أول موضع في الأرض نزل إليه ركب الإسراء، وأول موضع في الأرض، تشرف باستقبال الركب العائد من رحلة المعراج، فجاءت “القدس” بهذا التقديم أعظم ربط مكاني وزماني بين الإسلام ونبيه، وبين الأديان السماوية وأنبيائها جميعاً، وذلك لتأكيد وحدة هذه الأديان، فلا يفرق المسلم الصحيح بين دين ودين، أو بين رسول ورسول، وحسب القدس أن تكون رمزاً خالداً لهذا المعنى، لتصبح في الفهم الإسلامي معنىً مقدساً كأختيها مكة والمدينة، تجيء على قدم المساواة معها في شد الرحال وقصد الزيارة والتعبد بهذا القصد، هذه واحدة، أما الرد على الزعم الثاني من أوهام وثيقة “رابطة الدفاع اليهودية” وهو ما دعوتموه “فهماً” أموياً” لآية “الإسراء”، وأن “المسجد الأقصى” لم يكن موجوداً يوم معجزة الإسراء والمعراج، فهو أن عجزاً في فهم طرائق اللغة العربية في التعبير، أنتج عجزاً في الاستنباط، تلك مشكلتكم أنتم لا مشكلة النص القرآني.
– كيف؟
– عبارة.. من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى..” لا تعني ” البَنِيَّة ” التي يطوف حولها وفيها المسلمون في الحج من ناحية، وبالتالي فهي لا تعني المبنى الذي أنشأه الأمويون للمسجد الأقصى من ناحية أخرى، بل تعني “مكة” كلها هناك، كما تعني ” القدس” كلها هنا!!
– ما الدليل يا شيخ الفصحاء؟
– الدليل كامن في النص نفسه، فالآية قررت أن الله سبحانه أسرى بعبده من “المسجد الحرام”، فهل كان محمد صلى الله عليه وسلم يسكن في “الكعبة” نفسها؟ أم في بيته الذي هو جزء من “مكة”، وإذا كانت سكناه في مكة لا الكعبة حقيقة لا سبيل إلى إنكارها، ألا ينشأ من ذلك أن عبارة “المسجد الحرام” هنا، تعني “مكة” كلها؟
– وماذا يعني هذا؟
– يعني يا فصيح العجم، أن عبارة “المسجد الأقصى” لا تعني هي الأخرى –بالمنطق نفسه- ذلك البناء الذي أقامه “عبد الملك بن مروان” أو غيره، بل تعني “القدس” جميعها، بل وما حولها أيضاً، وهنا يسقط سقوطاً مدوياً، كل ما زعمتموه من قصة “الفهم الأموي” من ناحية، ثم من قصة أن “القدس” لم تذكر في القرآن الكريم من ناحية ثانية، وإذا رغبت في مزيد من الشواهد على هذا الفهم، فارجع إلى الآية رقم (7) من سورة “التوبة”، والآية رقم (25) من سورة “الفتح” لتعرف أن “المسجد الحرام”، هو أوسع من “مكة”، وأن “المسجد الأقصى” هو أوسع من “القدس”!! ثم إن علينا هنا أن نلحظ في دقة تلك القداسة التي أضْفتها الحضارة الإسلامية على مكة والقدس، فالتاريخ يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة سلماً، وغضب بشدة لأن خالد بن الوليد قتل رجلاً يوم الفتح، حتى علق عمر بن الخطاب يومها، بـ”أن في سيف خالد رهقاً”، وشبيهٌ بهذا كان يوم فتح القدس، إذ لم يدخلها قائد الجيش “أبو عبيدة بن الجراح” عنوة، مثل كل المدن، بل حصرها فقط، ليجيء خليفة المسلمين عمر بن الخطاب نفسه ليتسلم “القدس” بلا قطرة دم، أرأيت أين تقع القدس في نفوس المسلمين؟.. تلك هي الثانية يا صاحب “رابطة الدفاع اليهودي“!
– فلماذا لا يذكرها المسلمون في صلاتهم إذن؟
– إن القدس عند المسلمين هي عقيدة ودين وقرآن في الصلاة وخارج الصلاة، فهم يتعبدون بسورة “الإسراء”، وفيها المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وهم يتعبدون بسورة “النجم”، وفيها تذكير بـ”المسجد الأقصى” الذي كان منه المعراج، وكان إليه الهبوط من ملكوت السموات وسدرة المنتهى بعد الرحلة المقدسة، فهل يمكن يا فصيح الوثيقة إياها، أن يزعم زاعم بعد ذلك، أن “القدس” لا ترتبط بالأحداث الكبرى في حياة رسولنا على نحو مباشر؟ ألم تكن تلك كلها ” ارتباطات ” ؟، فعلى أي نحو يكون الارتباط إذن؟ أتجدونه بين “القدس” ونبي الله “موسى”، الذي عاش وأرسل ومات ودفن في مصر، ولم تر عينه لها شكلا، ولم تطأ قدمه لها تراباً؟ أم تجدونه في اعتراف كتبكم المقدسة باغتصاب القدس من أصحابها “اليبوسيين” وهم عرب بلا جدال؟ أرى أنه يحسن أن تسمع ما يلي من سفر “صموئيل” (5-11) مما أورده، “فيليب حتىِّ” في “تاريخ سوريا” (جـ1 204 بيروت،1958)، ” وانتقى داود حصن أورشليم اليبوسىّ ليكون عاصمة له، وقد انتزعه من أيدي سكانه اليبوسيين”، تلك هي الثالثة يا محامي “رابطة الدفاع اليهودي” .
– ولكن..!!
– دعك من لكن الآن وانتظر.. إن أسئلتك التي لخصتَ بها مزاعم الرابطة إياها، لم يُجَبْ عنها كلها بعد.. لقد خان التدبير مؤسس الرابطة وكاتب وثيقتها ومحاميها أيضاً، بل خانتكم الذاكرة كذلك، فحسبتم أنكم وقعتم على ما ينفي العلاقة بين القدس وبين المسلمين، حين قلتم إن القدس لم تكن يوماً عاصمة لدولة إسلامية، ولم تكن مقدسة عند المسلمين بناءً على هذا وغيره.
– بل لم نزل، ولا أظننا .. !
– أظن أننا الآن في حوار قائم على قوة المنطق، وليس منطق القوة .. لا أحد ينكر ولا أنتم، أن لفظ “القدس” إنما أطلقه المسلمون على تلك المدينة، وكذلك لفظ “بيت المقدس”.. أترى أن ذلك مردود إلى عدم قداستها في دينهم؟
– أجب عن الأولى!!
– هي ما خانتكم فيها الذاكرة، فخنتم التاريخ والجغرافيا.. أو هي ما تعمدتم فيه التلبيس على الناس.
– لا ذاك ولا هذا.
– بل أحدهما أو كلاهما، فأنتم تتجاهلون أو تنسون أن الدولة الإسلامية منذ ظهورها الأول، إلى عام 1924، يوم دُهِسَتْ “الخلافة الإسلامية” في حادث سير مدبر، على يدى ” سايكس\بيكو” – تتجاهلون أن أمر المسلمين في كل هذه الحقب، كان أمر “خلافة جامعة” لها عاصمة موحدة تبسط هيمنتها السياسية أو الدينية على كل هذا الامتداد الإسلامي.. نتج عن ذلك طبعاً، أن تنحصر وتقل المدن التي تحمل لقب “العاصمة”، فتدور عبر الأحقاب حول “المدينة” و”الكوفة” و”دمشق” و”بغداد” و”القاهرة” و”الآستانة”، فهل يمكن أن يستنتج عاقل أن آلاف المدن الإسلامية الأخرى، ومنها مكة والقدس، لم تكن لها أهمية دينية أو سياسية أو ثقافية، والسبب، أنها لم تكن عاصمة لدولة؟.. أيها الخجل، أين حُمرتك؟
– دعك من حديث الحُمرة والخجل، فليس الحين حين عواطف.
– موافق.. ولكن اسمح لي أن أقدم إليك حقيقة مهمة في سؤال، أرجو ألا تتخلى عن الصراحة في جوابه، بعيداً عن التعصب والعنصرية الضيقة.. مدَّ بصرك إلى تاريخ “القدس” البعيد البعيد وتأمل، فحين اغتصبها الرومان في عهد الوثنية، احتكروها دون غيرهم من الأديان، فلما تنصرت الدولة الرومانية، احتكرت “القدس” دون اليهود، بل دون المذاهب النصرانية الأخرى نفسها، وحين اغتصبها الفرنجة الصليبيون، احتكروها دون المسلمين واليهود، وفعلوا بها الأفاعيل، وحين اغتصبتموها أنتم عام 1967، رحتم تستأصلون الوجود الإسلامي بل والمسيحي، وتهدمون المساجد وتحيلونها خمارات واصطبلات وحوانيت قمار، وتنظرون إلى من ولد لغير أم يهودية بأنه خلق من روح حيوانات شريرة يحل قتلها ومالها وأرضها، وتتخذون ذلك إلى الله –فيما تزعمون- قرباناً..
– أين السؤال؟ أوشك أن أفقد صبري!
– أرجو ألا تتخلى عن قشرة الهدوء والموضوعية المصطنعة.. السؤال هو: هل عرف التاريخ كله أن شيئاً من ذلك أو ما يشبهه، وقع للقدس وأهلها، تحت المظلة الإسلامية؟ أم أن هذه المظلة هي التي أشاعت للمدينة قدسيتها، وحمت كنائسها وبِيَعَها وصلواتِها كما حمتْ مساجدها وحرماتها، وحقوق أهلها وحرية عباداتها، بل إن المسلمين هم الذين أباحوا لليهود حرية الإقامة فيها، بعد أن ألح النصارى في طلب ألا يساكنهم فيها لصوص ولا يهود؟؟.. لست آمل منك أن يكف اليهود عن تحريف التاريخ والنصوص وتزوير الحقائق، ولكنني أؤكد أن المسلمين حين فعلوا ذلك، مع اليهود والنصارى، لم يدفعهم إليه شعار كالإنسانية، أو “الإخوة” أو “التسامح” أو “حقوق الإنسان”، لم يكن ذلك فقط، بل كان بعد ذلك وقبله، عقيدة راسخة حاكمة على السلوك المسلم، بل إن حقيقة الإسلام، تنتفى عن كل من لا يؤمن بجميع رسل الله، وجميع كتبه، لا يفرق بين رسول ورسول أو كتاب وكتاب، تلك حقيقة يقررها القرآن ونبيه، كما يؤكدها التاريخ وشواهده، غير أنها تنشئ هنا سؤالاً غاية في الأهمية، يقتضي إجابة غاية في الحياد.. إذا بحثت البشرية اليوم عن رجل تأتمنه على مفتاح “القدس”، ليعيدها مدينة الصلاة والتسامح، ففي أي الأديان الثلاثة يوجد ذلك الرجل الذي يَخْضَرُّ على شراعه الأمل؟
– مشكلتكم أنكم تخلطون بين “التاريخ”، وهو ماض لا وجود له، وبين “الأمل” وهو وجود في حيز الوهم، وتتجاهلون “الواقع”، وهو خنجر ناشب في الخاصرة.
– مشكلة الفاسدين والمفسدين من أمثالكم، أنهم كالغبار، لا يمكن كنسه إلا بعد أن يقع، وهل عرف الناس غباراً، أىَّ غبارٍ ليس له نهاية ؟ اذهب فقد عطلتني كثيراً عن جمع الأحجار لشباب “الانتفاضة” القادمة !!