ملائكة البحر

ملائكة البحر

حنان عبد القادر

الصورة: لوحة حورية البحر للفنانة المكسيكية فير ألفارادو (يمين) – وصورة حيوان ملاك البحر (يسار)

لا أحد يمكنه تخيل كم من المخلوقات الموجودة في الكون حولنا ماتزال لم تكتشف بعد، ولا كم هي رائعة ومثابرة ومصرّة على البقاء، الإنسان – ذلك الكائن المغرور- يعتقد أنه سيد هذا الكون بلا منازع، ونسي أن مجرد كائن صغير لم يكتشفه بعد، قادر على إبادته، أو أقدر منه على التكيف والبقاء ومواجهة أقسى الظروف، فيستطيع أن يتطور ويتأقلم مع بيئات مختلفة، ليظل حياً على الأرض لملايين السنين.

كثيرا ما أحببتُ البحث عن جديد الكائنات وغريبها وكانت مادة الأحياء أكثر المواد جذبا لي أثناء الدراسة، وكذلك الرياضيات التي كنت أحصِّل فيها درجات مرتفعة، ورغم أن الشعر سرقني وحول طريقي إليه، إلا أني ما زلتُ أحن لعشقي الدفين، عالم الأحياء.

وأثناء بحثي عن الغريب والجديد فيها من فترة، أذهلني فيديو تم نشره لكائن باهر الجمال يسبح في ظلمات البحر، التقط صوراً له أحد الباحثين المختصين في علم الأحياء البحرية يدعى “ألكسندر سيمينوف” في البحر الأبيض الواقع شمال روسيا الغربي.

كائن صغير يعد من أجمل الحيوانات اللافقارية البحرية، ينتمي لفصيلة حلزون البحر، يبلغ متوسط ​​حجم البالغين منه 2-4 سم، وليس له صدفة تحميه أو خياشيم، ويمكن أن يعيش على عمق ٣٥٠ مترا من سطح البحر، يعوم دائما رافعا رأسه للأعلى، راقصا في رشاقة بجسمه الملون الشفاف وزعانفه التي تشبه جناحي ملاك، لذا أطلقوا عليه “ملاك البحر” أو “فراشة البحر”.

يتواجد ملاك البحر بشكل أساسي في المياه الباردة، ويعيش في عدة مناطق بحرية أهمها المحيط المتجمد الشمالي، وفي القارة القطبية الجنوبية، وشمال المحيط الأطلسي الغربي والشرقي والمحيط الهادئ الشمالي، ويكون في أسراب تتضمن عدة مئات منه في المتر المربع الواحد.

يخزن الملاك الدهون في جسمه لحاجته إليها؛ لأنه يضطر في بعض الأحيان إلى البقاء بدون طعام لفترة طويلة بسبب أنه سباح غير ماهر، فهو يسبح ببطء مستخدما أجنحته في التحليق في أعماق البحار، وقد تسحبه العواصف إلى الأعماق ما يقرب من ٥٠٠ مترا بعيرا عن سطح الماء، ويمكن أن يظل عدة أشهر بلا طعام، لأنه لا يصطاد في أبدا في هذه الحالة رغم توفر فرائسه، وهو سلوك لم يتم تفسيره حتى الآن، لذا فهو يستخدم احتياطيه من الدهون التي تشكل حوالي ٥٠٪ من كتلته للبقاء ولتجديد الطاقة، ويمكن رؤية قطرات الدهون التي تبدو كبقع بيضاء بسهولة من خلال جسمه الشفاف.

لا تخدعنك المظاهر

على الرغم من مظهر هذا الكائن الملائكي إلا أنه من الرخويات المفترسة بامتياز، ولا تقتات إلا على فصيلتها الأقرب من الرخويات، والمشاهد لعملية الصيد والافتراس يرى مشهدا لا يصدق مقارنة بأفلام الرعب، إذ يقترب الملاك من فريسته، ثم ينقسم رأسه لنصفين، ويخرج منها مخاريط شدقية أو مخالب الخطاف، وبلوامسه يلتصق بشدة بقشرة الفريسة، ويدخل فيه خطافه ومخالبه، ثم يبدأ بسحب أنسجته الرخوة إلى فمه الذي يحول تلك الأنسجة إلى ما يشبه العصيدة الناعمة، ويترك فريسته قشرة فارغة، تستغرق تلك العملية من ٢٠إلى ٤٥ دقيقة تقريبا.

وعندما لا يكون الطعام كافيا، فقد يحاول أخذ الطعام من رفقائه بإجبارهم على ترك فرائسهم بالقوة، ولا يأكل فريسته إلا وهي حية، فلا يقتات ملاك البحر على فرائس نافقة، أو غير متحركة.

الإنسان هو الأخطر على الكائنات

لملاك البحر أعداء تتغذى عليه كالطيور البحرية وبعض أنواع الحيتان، وخاصة في موسم التزاوج عندما تتجمع هذه الكائنات في أسراب ضخمة، ولا يعد بيض الملاك غذاء مغريا لأنه محمي بمخاط يشبه الهلام ينمو فيه الصغير بسرعة ويصبح مفترسا في غضون أيام.

رغم وجود مفترسات طبيعية لملاك البحر، إلا أنها متواجدة بكثرة وغير مهددة بالانقراض، وربما يعود ذلك إلى أن البشر لم يدرجوها ضمن نظامهم الغذائي حتى الآن، فقد مثلت الكثير من أنواع الرخويات غذاء مهما للبشر أو أصبحت منتجاتها مصدراً للربح كصانعات اللؤلؤ، ولكن بعض الرخويات تمثل خطرا داهما لإنتاجها سموما قاتلة قد تقضي عليهم، ومع هذا فالتهديد الرئيس من الإنسان لهذه الكائنات لا يتوقف فقط على استخدامها كطعام، وإنما قد يؤثر نشاطه الملوث للبيئة على حياتها؛ فتلوث مياه المحيطات يسهم في قتل كمية كبيرة من العوالق الحيوية التي تعد طعاما أساسيا لصغار الملائكة، وأيضا لصغار الشياطين البحرية التي يتغذى عليها البالغون من ملائكة البحر، فهي أساس نظامها الغذائي. 

ملاك البحر في الثقافة والفنون

تعد حركة الملائكة في المياه من المناظر الآسرة الجذابة والمثيرة للاهتمام، حيت ترفرف على مهل بأجنحتها وتلوح بها مثل الفراشات، وتسبح ورأسها مرفوع للسماء، ولقد عرفها الإنسان وبدأ في دراستها ودراسة سلوكها منذ بداية القرن السابع عشر، حتى يقال إنها أصل ما حكي من أساطير حول ما يسمى بعروس البحر، حيث يمكن أن يختلط الأمر على من يراه؛ إذ يبدو كأن له رأس إنسان وجسم سمكة، أما في اليابان، فقد اتخذوا من ملائكة البحر نماذج لأبطال مختلف الحكايات الشعبية والرسوم المتحركة والشخصيات الخيالية التي أصبحت هي الشخصيات الرئيسة للعديد من كتب الأطفال، ونماذج لشخصيات الإنمي والرسوم المتحركة والبوكيمون خاصة الجيل الرابع منه، وتصنع الهدايا التذكارية والمنحوتات والمجوهرات على شاكلتها، حيث يجذب جمالها الناظر إليها فيعجب بشكلها الرائع.

ويعد ملاك البحر كما وصف سلوكه العلماء، مخلوق غير مألوف، ذو مظهر ملائكي، وصاحب شخصية حازمة وغريبة، يتحمل أقسى الظروف، لكنه غريب قاس ومفترس ماهر، استطاع أن يمر بعمليات تطورية معقدة، وها هو يواصل الآن رحلته الرشيقة في مياه المحيط كما فعل منذ ملايين السنين.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.