فيلم عربي قديم 

فيلم عربي قديم 

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الهولندي رامبرانت

من رأيته قبل ساعات لم يكن هو نفس الشخص الذي كانت تهتز الأرض من وقع خطوه ,من قعدت قبالته اليوم شخص آخر غير ما أعرف, ضعيف لدرجة الهشاشة, حتى أجزم أن نسمة هواء هبّت من نافذة خلفه كادت تقتلعه من كرسيّه وتلقيه على الأرض, لولا إحراج تملّكه فاستمسك بقوة بسطح مكتبه الخشبي, لحظتُ أنا ذلك, لكنّي غضضت الطرف ونظرت بعيدًا أتأمّل إطارا فارغا يعتلي الحائط المواجه ليّ!

زيارة استمرت قرابة ساعة كاملة, أرغمت عليها نيابة عن صديق أقسم عليّ أن مشاغله وظروفه تمنعه، قمت بها وأنا حذر للغاية, فذلك رجل كرهته من أعماقي, وَمَقَته الناس لسوء تصرّفه ولانتفاخة نرجسية أصابته حين اعتلى مقعد السلطة,مهارته التي عُرفت عنه وعزف على نغمتها ببراعة فترة خدمته التي استغرقت أربع سنوات, هي اكتساب الخصوم وخسارة الأصدقاء والمناصرين, حتى أنه حينما انفضّ الجمع من حوله, تلفّتَ ولم يجد أحدًا, سقط من طوله كحجر يهوي في مكان سحيق.

اليوم كان يتلطّف في حديثه معي.. عرج على قضايا وموضوعات كثيرة, ما بين واحد والثاني, يسألني عن الأهل والأصدقاء والزملاء, بعث إليهم معي برسائل اطمئنان على الأحوال.! كما وجدته يفيض في توزيع ابتسامات كصدقات جارية على من يمر بالجوار.

دون قصد قام عقلي بمقارنات بين الأمس واليوم, فعُدت لسنوات قليلة ماضية , تذكّرت مساوئه وتنكيله بالناس.

لكن قطع عليّ شرودي بقوله: الحمد لله, أدّيت الأمانة على خير وجه, ختم عبارته وقد علت وجهه نزعة صوفية: ربنا يولي من يُصلح!

قبيل أن يسترسل, عاجلته بحدّة: لكنّك… وكما يحدث بالأفلام العربية القديمة, قطع حديثي رنين مفاجئ وسخيف لهاتفي المحمول. مكالمة واردة من رقم مجهول! حين أردتُ كتم صوت الرنين, وجدته ينهض بخفّة يخفي خلفها شيخوخته الطارئة, قال وهو يقف وينحني بأدب على عتبة باب مكتبه: للهاتف المحمول خصوصية, سأتركك وشأنك حتى تنتهي, ثم غاب وصوته يأتيني مرحّبًا بهذا وذاك, طرقعات قبلات منه تهوي على خدود ورؤوس المارة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.