هيام علي
اللوحة: الفنان الفرنسي ادوارد ليون كورتيس
تضع أمي إناء الطبيخ على “وابور الجاز” وعلى “الطبلية” المقابلة لها قطعة دهن كبيرة، بيدها سكين حاد تقوم بتقطيع الدهن إلى قطع صغيرة تلقي بها في القِدر، ألسنة البخار تتصاعد لتصنع خطوطاً متعرجة وأخرى مستقيمة وبعض الدوائر تحيط بهما.
أقترب من “الوابور” أتلمس بعض الدفء بأناملي النحيفة، تنهرني أمي بلطف، احذري النار، وهي لا تعلم بأن النار مستعرة بداخلي منذ ولادتي، أذعن لطلبها.. أخرج الشريط من الدرج، أنظر إليه، نعم إنه هو أضعة هناك في مكانه داخل الكاسيت، يبدأ الشريط بالدوران يلبي طلبي في الحال، أسمع صوتها الشجي “ميادة الحناوي” تشدو بقصيدتها الجديدة ( أشواق).
أذهب نحو النافذة أشاهد عبر الزجاج مياه الترعة الصغيرة، أراها تتراقص مع أنغامها، تزداد حركاتها الراقصة عند سقوط قطرات المطر، كل حبة مطر تصنع دائرة ضيقة في النهر ثم تتسع تدريجياً حتى تصير دائرة كبيرة كأحلامي المؤجلة، ينادي أخي: هند
– نعم!
– تعالي، أسير ببطء نحو غرفة أخي، يناولني كتاب جديد لإحسان عبد القدوس (علبة من الصفيح الصدئ) مجموعة قصصية، بلهفة محبة تحتضن حبيبها الغائب أخذت الكتاب، مازالت أمي هناك أتكارس طقسها الروتيني في المطبخ، علّها ترقب الآن الخطوط المتعرجة والمستقيمة والدائرة التي تحيط بهما.
أعلم جيداً ما يخالج قلب أمي، أشاهدها في صمت، ينتهي الوجه الأول من الشريط، ينقطع الصوت أذهب مسرعة أدير الوجه الآخر، يعود صوتها من جديد، تضع أمي ستارا من الضحكات تخفية بين عينيها الجميلتين، قالت لي: تعلمي يا ابنتي أنت مثلي تماماً تشبهني في كل شيء أرى طفولتي وشبابي بين قسمات وجهك البريء، تذكريني بأيام الصبا، حبي “لميادة الحناوي”، عشقي للقراءة، أتمنى أن يكون حظك أفضل مني، جلست بجوارها برهه أتلمَّس بعض الدفء من صوتها العذب، أجزم بأن أمي تعاني في صمت وأنا أرى دون كلام، سمعت صوت أقدام تقترب، ثم يعلو ببطء على غناء “ميادة”، شعرت به يقترب فأمسكت يد أمي، أحسست بخوف عندما رأيت يدها تنتفض بين راحتي، تَرَكَت يدي ونَظَرَت نحوه، فإذا بأبي ينهرها ككل يوم يطيح بالإناء أرضًا، انسكب الدهن، وانكتم صوت “الكاسيت” إلى الأبد.