صفقة القرد

صفقة القرد

محمود حمدون

اللوحة: الفنان الأميركي يعقوب لورانس

وردني اتصال هاتفي منذ سويعات، من صديق قديم، أذكر أن آخر مرة التقيته كانت من عشرين سنة خلت، اختفي بعدها، لعلمي أنه قادر على السباحة في بحور الحياة العميقة منها والآسنة، أنه ماهر في اصطياد الأسماك السمينة، فلم أقلق لغيابة كثيرًا.

حينما سمعت صوته، تذكّرته على الفور هو بالفعل “محجوب أبو السعد”، بصوته المميز، بضحكته القصيرة الماكرة، بسرعة بديهته في إطلاق النكات وإمساك تلابيب أي موضوع محل جدل قائم، فإن جاء متأخرًا، سرعان ما تجده ينغمس حتى أذنيه في الحوار، يقتحمه اقتحامًا، يلقي بنفسه وسط الجمع دون استئذان، يفنّد رأيًا، يدافع عن آخر، بوصلته في الحياة هي غريزته ومصلحته، دونهما لا يهم إن قامت الساعة بعدها.

لم أندهش حينما رأيت النجم السينمائي “حسين فهمي” إذ كان “محجوب” يفوقه وسامة، لياقته البدنية محط إعجاب النساء، حسد الرجال، قدرته الفذة على استمالة قلوب البنات خاصة والنساء على العموم، حتى أن منّا من تودّد إليه عشرات المرّات كي يعلّمه كيف يتخطى عتبة الكسوف العُذري الصبياني، فكان “محجوب” يبخل غالبًا عن البوح، وإن فاض ببعض علمه فباقتضاب وشُحّ شديدين.

غير وسامته الشديدة، جسمه الرياضي الممشوق القوام، تواضعت ظروفه وحياته الاجتماعية، بداية من فقر أسرته المدقع الذي كان مضرب المثل ومعيارًا للحكم على قدرة الزمن على سحق البشر، محدودية التحصيل العلمي، فلم يُكمل عامًا دراسيًّا دون “مُلحق” على الأقل، أو رسوب كامل ثم إعادة، لم أر أحدَا يمنع المشقة عن جسده كما كان يفعل “محجوب”، إذ كان يتحرى الطرق الوعرة ويتجنبها، لم أضبطه أبدًا يعمل بمهنة شاقة يتكسّب منها مصروفه الدراسي كما فعلنا جميعًا، لم يشارك في إغاثة ملهوف، أو نجدة عجوز، أو مساعدة شيخ على عبور الطريق، كانت له مبرراته التي يؤمن بها عن يقين.

لكن… أخشى بحديثي هذا، أن أكون متحاملًا على الرجل، أو حاسدًا أو حاقدًا عليه، فمن يعرفه على حقيقته، وهم نفر معدودون على أصابع اليد الواحدة، سيرون أنّي لم أقل سوى حقًا، ولم أسرد إلاّ عيون الواقع الذي عشته مع “محجوب”، على أنّني ينبغي أن أذكر جانبًا آخر للموضوع، أن الدنيا لا تعطي المرء كل ما يبتغيه، لا تضع أمامه جميع مراده، لكن تمنح هنا وتمنع هناك، فتتوزع الأرزاق بصورة تدعو للغرابة أحياًنا، حتى آمنت بالنهاية بمقولة “ليس كل ما يتمناه المرء يُدركه” 

عاجلته بقولي: ما ذكّرك بيّ الآن؟ لعلّك تسعى وراء مصلحة، يبدو أنها تتقاطع مع طريقي في الحياة، و…. 

أتاني صياحه الغاضب عبر سمّاعة الهاتف: لم أعهد عنك سوء الظن، أسابيع وأنا أبحث عن رقم هاتفك المحمول، حتى وجدته، أرغب في لقاء سريع وعاجل معك، حبّذا لو الآن. 

لم يترك ليّ فرصة، فبادرني من جديد، أعرف أنك تقيم في “الجيزة”، ثم تلى على سمعي عنواني بتفصيل تام، وأثنى بقوله: أنا جوارك الآن في بعض شأني، ستجدني بعد نصف ساعة بمقهى “كذا” أتعرفه؟!

بالفعل ليّ مصلحة عندك، لا أنكر هذا، لكنها ليست كما تظن.. بالله عليك لا تتأخر عليّ. ثم أغلق الخط دون استئذان.. قلّبت هاتفي بين يدي، وعقلي يقلّب الأمر برمته، قلت: لن أخسر شيئًا، لربما أجد ما يسلّيني قادم الأيام !

*** 

من رأيته يدخل من باب المقهى، هو من عرفته قديمًا، فرغم وسامته التي عُرف بها، لكن اصفرار وجهه كان لصيقًا به لسوء تغذية لازمته حياته الأولى، فكُنا نعلم أنه لم يتناول قط وجبات ثلاثة في يوم واحد، كما كانت بينه وبين اللحوم بأنواعها صراعًا شديدة، ما بين رغبة عارمة منه للوصول إليها، كراهية في الوصول لمعدته البائسة، فاللحم أيضًا طعام يمقت الفقر والفقراء، يعدّهم عالة على المجتمع، كذا رشاقته القديمة، تعود لنحافة شديدة اقترنت به وعُرف بها وعُرفت عنه، لكن…

من هجم عليّ بوجهه الصبوح، بعد أن زالت آيات الفقر القديمة، رأيته ببطنه الكبيرة التي تتدلى أمامه، تتأرجح كبندول ساعة توقّفت عقاربها من فترة بعيدة، جسده الذي أصابته الدعة، فترهل من كافة منعطفاته وجوانبه، ذلك الهدوء الذي حلّ بعينيه، فاختفت منهما نظرة القلق من المستقبل، لم أر غير رجل جديد، انقطعت علاقته بماضيه، فبدوت جواره كخادمه وأنا من يتقلّد حاليًا منصبًا كبيرًا في الحكومة، ملابسي التي أراها فاخرة، تضاءلت في عيني جوار فجور أصاب ملابسه، رائحة عطره، سيجاره الفاخر، الذي طالما رأيته في يد الممثل الراحل “حسن كامي”، الحق أنه اقترب في هيئته من ذلك الراحل كثيرًا!

حينما انتهيت من تناول قهوتي، فرغ هو من احتساء “مج كابوتشينو”، أشعل سيجاره، سحب نفسًا قويًا، أطلق بوجهي سحابة كبيرة من دخان، حجبت عنّي الرؤية، ضاق بها صدري، فسعلت، رجوته أن يختصر وأن يقول ما يريد، تعلّلت ببعض مشاغلي!

-سألني: هل سمعت عن “صفقة القرد”؟!

ألقى سؤاله بوجهي، ثم أدبر عنّي يتبع بعينيه حسناء تعبر الرصيف، تهتز أردافها بقوة، تداري عينيها وراء نظارة شمس سوداء غامقة، أتبعها بعينيه حتى توارت بالحجاب، ثم ارتد على عقبيه ومط شفتيه كمن ينتظر إجابتي على مسألته!

قلت وأنا أنظر لساعة هاتفي: لا، لم أسمع، لا أعلم أن للقرد صفقة يتداولها الناس!.

فردّ بعد أن عدل جسمه قبالتي: يا عزيزي، ذلك تعبير مجازيّ.. سأدخل في صُلب الموضوع، التقيت قبل عشرة أعوام بفتاة، تجاوزت متتصف عمرها، متوسطة الجمال، كما يقولون، لكنها ثريّة لدرجة الفُحش، تملك من المال ما تنوء العصبة من الرجال عن حصره وعدّه، سائل، عقار، أطيان، أسهم، و و …. فزعقت به حتى أن دوري شطرنج حامي الوطيس خلفنا، توقف لاعباه عن التركيز ورجانا أحدهما أن أخفض صوتي قليلًا، فداريت إحراجي باعتذار أبديته للاعب الشاب، فقبله على مضض بعد أن أشاح بيديه وهمس بما لم أسمعه وإن ظننته سبًا بحقي!

التفتُّ للمعتوه القابع أمامي، قلت: ما شأني بزيجتك؟

-جئتك أطلب مشورتك ونصيحتك، فضميري يؤنبني نهارًا، وبعتمة الليل أعود لأفعالي..

فأجبته: لست أفهم، رفقًا بيّ، “بشويش لو سمحت”

فقال: باختصار، تلك الفتاة “نوال”، تواضعها الجمالي، لم أهتم به قدر اهتمامي بثروتها الطائلة، كما أنها بدورها انبهرت بوسامتي الشديدة، رشاقتي، رأت فيّ نجمًا سينمائيًا كانت تحلم بمثله زوجًا وإن حال بينها وبين تحقق رغبتها، دمامة الوجه، قصر القامة، ترهل الجسد بصورة ملفتة للنظر، تغاضيت أنا عن ذلك، فغايتي ثروة تنقلني لحياة المترفين، أولئك الذين قرأت في الدين أن القيامة لن تقوم إلّا بفسادهم وكثرتهم في الأرض، فأحببت أن أكون منهم، وأن أدلي بدلوي، فضمانة أن يكون فقري في الدنيا جواز مرور ليّ في الآخرة، محل شك، فيقيني أن من لم يُختبر حقيقة، لا يمكنه أن يجزم بنتيجة محددة فيما بعد..

-هززت رأسي لحكمته المنزّلة عليه، قلت: صدقت، أكمل.

فتجاهل جملتي الاعتراضية، استأنف حديثه: تلك هي صفقة القرد، أتذكر، المثل الشهير “يا واخد القرد على ماله ..” هو ذاك يا صديقي .. سارت حياتنا، أعب من مالها عبًّا، تُغدق هي عليّ من وسع، حتى رأيت حياة غير ما أعرف، أو للدقة أقول، أنني لم أعش حياة من قبل حتى غرقت في مال هذه القردة، عفوًا زوجتي، فهي ما زالت على ذمتي..

لكن يا صديقي، أصابتني حالة فتور منها، فبتُّ أتحاشى الاقتراب منها، فإن ابتعدت مترًا، اقتربت هي منّي ميلًا، باتت تحاصرني، فإن رأت منيّ نفورًا منها، أغدقت من الهدايا والشقق والسيارات ما يدفع “إبليس” للتوبة إن أُغري ببعضها . فأميل إليها بعض الوقت، لكن سرعان ما أعود لحياة موازية صنعتها بمال زوجتي، بل حيوات عديدة.. حزمة من نسوة منهن العذارى، أقمت علاقات مبتسرة، كاملة، لهوت حتى الثمالة، علّي أنسى ولو ساعات، تلك الصفقة اللعينة.

كما حدث فجر أمس، كنت بين ذراعي امرأة شديدة الجمال، الأنوثة، أنغمست معها حتى نسيت الدنيا وما فيها، لم أفق إلاّ على رنين هاتفي، رقم غريب، فلما أجبت الاتصال، وجدت شركة عقارات تخبرني بأنني يمكنني استلام “فيلا”، كاملة التشطيب، بكمباوند ” ماونت فيو”، أتعرفه؟

قاطعته هذه المرة بحزم أشد، لم آبه للشباب وشطرنجهم خلفي، قلت: فما الداعي، اتركها، طلقها وتزوج من شئت من النساء الجميلات، شريطة أن تدع خلفك كل مكسب حقّقته من ثروة زوجتك، فهي قبلتك بفقرك، ومقابل وسامتك وندرة جمالها وأنوثتها، صغتما عقدًا، العقد شريعة المتعاقدين، فلم يُجبرك أحد على الدخول في العقد، لذا لا تبرّر الخيانة بحجة أن قدرك وسوء حظك أوقعاك بما تمجّه نفسك الآن ..على فرض صحة دعواك بإمكانك التحلّل من العقد، شريطة رد الشيء لأصله. 

اتركها لربما تجد فرصة حياة أفضل مع غيرك، لكن الرجولة تقتضي هنا أن تتركها على حالها كما كانت، وأقصد الوضع المادي، غير ذلك هو عطب يصعب إصلاحه، فساد نفسي يستحيل علاجه، فهل تفعل؟

لم أتركه يعمل عقله فيما قلت توًّا، وأنا أدري أن عقله يبحث عن مخرج للفرار، لذلك عاجلته بقول آخر: لا تنسى أنها رفعتك بمالها لمصاف الصفوة الأثرياء الجُدد، فلا ينبغي أن تُهدر مالها على عاهرات، سعيت خلفهن بإرادتك وتنفق عليهن من مالها، لربما تجد بين أحضانهن ذاتك ووجودك، لكنّك ثق أنك كمثل ماشية بعدما تشبع من عليقتها، ترفسها برجلها، لا تتحسّب ليوم ذي مسغبة.. 

فزع صديقي من رأيي، انتفض، نهض، صاح حتى أزعم أن المارة بميدان “الجيزة” سمعوا صوته، قال: أتركها؟ أطلقها؟ أهذا رأيك؟ أتلك مشورتك؟ بئس الرأي والمشورة، أعود للفقر من جديد؟ أصبح مثلك، تعيش على حد الكفاف، تقوم حياتك على حافة كحد الموسى، بأقل هفوة وأدنى حركة غير محسوبة تهوي للقاع!

تلك المرة أجزم أن وجهي اعتلته ضحكة صفراء لا أعلم من أين أتتني، استرخيت في كرسيّ، قلت بكلمات قليلة، بألفاظ واضحة المعالم والمخارج، سكنت حروفها حين ينبغي أن تسكن: تذكّر أنك من دعوتني لّلقاء هنا، أنك بحثت عن رقم هاتفي أيامًا كثيرة حسب قولك منذ قليل، طلبت مشورتي أو نُصحي، يبدو أنك كنت تٌضمر أمرًا آخر…

 قلبتُ فنجان قهوتي الفارغ في طبقه، تأكدت من استقراره بمنتصف الطاولة بيننا، قلت : أتصور أن زيارتك لم تكن إلاّ تفاخرًا بما حققته أنت، لعلّك أردت أن تراني كما أنا، أن أراك على وضعك الحالي، أزعم أن عقدة الذنب لم تعتريك كما صوّرت ليّ، بل أردت أن تُعلنها من جديد: أنك ملكت بيمينك القبح الممزوج بالثروة، ثم صنعت لك حيوات أخرى تعبّ منها عبًّا كما ترى وتبغي، كأنك امتلكت ناصيتيّ الحياة، جمعت بين متناقضَين في سابقة لم تحدث، أهكذا قصدت؟!

لكنك أسأت تقدير الأمور مرة أخرى كما كنت تفعل قديمًا، فطريقك هذا أمامي، لكني شققت آخر عن علم وجهد شديدين، يمكنني إن أردت أن أحقق ومن فوري أضعاف ما تحققه أنت، لكنه البيع والشراء، بينهما نفس هي نفسي لا تخضع لقواينن السوق.. كذلك زوجتك ليست بريئة كلّية، فهي اشترتك، كجورب في ساقيها، يدفئها شتاءً، تنزعه صيفًا بعد أن يتشرّب بعرق قدميها، لك فائدة في الحالتين، وإن كانت نتيجتهما نتنة.. فأنتما وجهان لعملة واحدة، غير أنّي لم أر إلاّ وجهًا واحدًا، بينما الآخر يختفي خلف ظلال من عتمة..

كانت كلماتي تندفع من فميّ كضربات سوط تنهال على أذنيه، لم يعنني أن يسمع الجوار في المقهى ما أقول، فقد تعرّت اللحظة بيننا من آخر قطعة ملابس وبات من الضرورة أن نقف أنا وهو عاريين، لا تستر عوراتينا إلّا قوة الفكرة والإيمان بالمنطق.

ثم ناديت ” رشاد” الجرسون، نقدته ثمن حساب المشاريب، وأنا ألعن بسري المقهى ومن فيه، والشطرنج و المشورة ومن طلبها، القرود وصفقاتهم .

أزعم أنه تزلزل من أعماقه، فقد بانت على وجهه تقلّصات شتّى، تخشّبت أطرافه للحظات، لكن سرعان ما استعاد توازنه، لملم بقاياه، اندفع من المقهى، يجر خلفه، شيخوخة مبكرة، انكسار كبير بعينيه، لعلّي سمعته يرد على هاتفه، يُعلنها بأنه بطريقه للبيت، أنه لا ييطق فراقها، لعلّي سمعت صوتًا خشنًا ذكوريًا يخبره: هل وصلك خبر هديتي إليك ؟

خرجت للهواء الطلق، تباشير الخريف على الأبواب، بالناصية الأخرى للطريق، التقيت بائعًا يفترش جزءآ من الرصيف، بضاعته موز “بلدي” فاشتريت منه بما تبقي بجيبي، حملت الكيس بشمالي، بيميني حذفت رقمًا، أنهيت علاقة وئدت قبل أربعين عامًا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.