محمد عبد الرحمن شحاتة
اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد شاهين
يَخالُ إليَّ وَجهٌ ما كأنّي
أخالُكِ كيفَما يَشتاقُ ظَنّي
كَسُنبلةٍ تُخضِّبُها المَنَايا
كَمنفيٍّ
منَ المَنفَى يُغنّي
كَقارِئَةٍ
لِكَفِّ الشَّمسِ غَيبًا
كَراقِصَةٍ عَلى إيقاعِ “يَنّي”
أضاءَتْ لي عيونُكِ ما أضاءَتْ
كَشفتُ بها
مَرَايا الزَّيفِ عَنّي
تُراوِدُني
فإنَّ الرُّوحَ ظَمأى
إلى ما نَستطيعُ بهِ التَّمَنّي
كرؤيايَ التّي فَسَّرتُ يومًا
فما اتَّضَحَت رؤاكِ
لغيرِ عَيني
بغيرِكِ
لَم يَكُن في البالِ شِعرٌ
وَلَم أهنأْ بقلبي المُطمئنِّ
فما تَرِبَت يدايَ
وما التقينا
سألتُ فمالِ قلبكِ لم يُجِبْني!
هي الدُّنيا تُطارِدُنا كثيرًا
فتهجُرُنا
وتُنسينا التَّأنّي
أإن ضاقَت عليَّ
فَرَرْتُ مِنها
وإن ضاقَت عليكِ
فَرَرْتِ مِنّي!
على الأعتابِ
كانَ الظِّلُ يحبو
خَفيفًا
مِثلَ قلبٍ لَم يَئِنِّ
وكانَ الشِّعرُ
كانَ الشِّعرُ موجًا
يُقبّلُ
رَملَ شاطِئِنا المُسِنِّ
وكانَ الذَّنبُ
أنّي يومَ غِبنا
فُتِنتُ
فَلَم أضلِّ وَلَم أُجَنِّ
أُحِبُّ
كأنَّ ما في الأرضِ كُرهٌ
وأنثرُ
في رُبوعِ الكونِ فَنّي
كَوَردَتِنا التّي ذَبُلَت خريفًا
فأهدَتْنا شذاها
بالتَّبَنّي
أخي
كبَّرتُ عِندَ الحُزنِ سَبعًا
عَسَى
أن يقهَرَ التَّكبيرُ حُزني
وكانَت غُربَتي الحمقاءُ
غَيثًا
أغاثَ العائدينَ
وَلَم يَغِثْني
شَدَوتُ
لِكَي تسيرَ بيَ القوافي
كَما ما بينَ أنفاسي وبَيني
فأوقَفَني
رنينُ الشَّدوِ أهذي
وَمَسٌّ مِن عيونِكِ
لَمْ يُصِبْني
كَبُرتُ
وَلَم أزَلْ طِفلًا صغيرًا
أُهَروِلُ
نحوَ أمٍّ أنجَبَتني
إذا ابتَسَمَتْ
تزيدُ الشِّعرَ بَحرًا
وتُعطِي الأرضَ
حُسنًا فوقَ حُسنِ
وينبَطِحُ النَّخيلُ أمامَ حَرفي
بأمرِ الرِّيحِ يَمدَحُني
وَيُثْني
خُذي
ما كانَ مِن أحلامِ عُمري
فَقَد نامَ الهَوى
في غيرِ حِضني
أنا هذا الذي يشدو
كثيرًا
ويدعو يا إلَهي
لا تَكِلْني
وصِلني
بالّذي قَد ضَنَّ وَصلًا
فَمَن ذا أبتَغي إن لَم يَصِلْني؟
رَجَعتُ
فإنَّ لي في الشِّعرِ مأوىً
قَديمًا لَم يَعِبْ في
لَم يَخُنّي
أُعاتِبُهُ
إذا ما شِئتُ جَهرًا
عِتابَ المَاءِ
للجِذرِ المُحِنِّ
أغيبُ
كما تغيبُ الشَّمسُ ليلًا
فلا تُنكِرْ شُعاعيَ
لا تَلُمني
وَلِي
ألّا أضيقَ اليومَ ذَرعًا
وألّا أُتبِعَ الحُسنَى بِمَنِّ
أطارِدُ
أُمنياتِ العُمرِ خَوفًا
وأسألُها وعودًا لَم تَجِئنْي
وإن ألقَتْ ليَ الدُّنيا
سِهامًا
أُشَيِّدُ مِن سِهامِ اليأسِ حِصني
أتيتُ إلى الحياةِ
ولَستُ مِنها
أُشاطِرُها همومًا أثقلَتنِي
أُكابِدُ لَوعَتِي فأصيرُ ظِلًّا
ظَليلًا
يَقتَفي أثرَ المُغَنّي
أصيرُ خُرافَةً
عِندَ احتضاريْ
أديبًا
حينَ يَحضُرُني “ابنُ جِنّي”
وَلَو مرَّ المُذَنَّبُ
في سماءٍ
يُلازِمهُ انعكاسٌ
فوقَ نِنّي
وَلي بينَ الصَّبايا العَشرِ
أُنثى
جدائِلُها
كما جنَّاتِ عَدنِ
جليدًا
كانتِ الأحلامُ تأتي
فَذَوَّبتُ الضّلوعَ وَذَوَّبَتني
وأوقَدَني
حُطامُ الدَّهرِ شَمعًا
يُبَدِّدُ ذِكرياتٍ أوجَعَتني
قريبًا مِن خُطاكِ
مَشيتُ فَجرًا
لأُسمِعَ آخرَ النَّجماتِ
لَحني
تَقولُ فَراشَةٌ مرَّتْ قريبًا:
أعادَ القُربُ
أجنحَتي
ولَوني
فإنْ مرَّ السَّحابُ
سَقَطّتُ غَيثًا
وإنْ مرَّ النَّسيمُ
استَنشَقَتْنِي
كَقهوَتِها صَباحًا حينَ نَحكي
وإنْ أظلَمتُ سَهوًا
أوقَدَتْني
هُنا يا غيمُ لَم تَبتَلّ أرضٌ
ولَم يملأْ طَحينُ الشَّوقِ
صَحني
أُعَتِّقُ خَمرَ أيَّامي
بِصَبرٍ
وشَمسٍ لَم تُضِئْ أطرافَ كَوني
فلستُ السِّندبادَ
ولستُ طَيرًا
وحوريَّاتُ بَحرِكَ لَمْ تَلِدني
وأنتِ أَيَا مُسافِرَةً بَعيدًا
بَعيدًا
والمَسافَةُ أرَّقَتني
سياجٌ مِن أسىً
مَوتٌ
ونارٌ
إذا ما سِرتُ نحوَكِ
أحرَقَتني
هي الأيامُ
والأيامُ لَمّا
أطَلتُ الصَّمتَ فيها أنطَقَتني
وعائدةٌ
تَمُدُّ الرُّوحَ جِسرًا
لِنَعبُرَ مِن لَهيبِ المَشرقَينِ
ودامِعَةٌ
كأنَّ العينَ بحرٌ
تَفيضُ
تَفيضُ حتّى أغرَقَتني
وضَاحِكَةٌ
بِوَجهِ الحُزنِ عَمدًا
كأثمارٍ
تُبَدِّدُ شَيبَ غُصني
وَسَابِحَةٌ
معَ الأفلاكِ تَجريْ
وتَرسُو
عِندَ بابِ الجَنَّتينِ
وَبارِقَةٌ
كَنَبعٍ مِن ضِياءٍ
يَشُعُّ
على امتِدادِ المُقلَتَينِ
ونافِرَةٌ
كَمَا لَو كُنتِ يومًا
تَنافُرَ شُحنَتينِ بِغَيمَتينِ
تَقولُ:
انظِمْ ليَ الأنهارَ شِعرًا
وإنْ كُنتُ ابتهالًا فابتَهِلْني
فأنظِمُها قَصيدًا فابتهالًا
لأورِثَهَا الغِناءَ
فَلَم تَرِثْني
وأقرأُ
ما تَيَسَّرَ مِنْ حُروفٍ
وَلَو قلتُ:اكتَفَيتِ؟
تَقُولُ: زِدنِي!