حنان عبد القادر
اللوحة: الفنان الإسباني سلفادور دالي
استيقظت فوجدتني في وضع الجلوس، يداي مرتخيتان إلى جواري على شكل زاوية قائمة، وظهري مفرود على غير العادة، مسترخٍ تماما وكأني أمثل الجلسة الصحيحة على كرسي مريح.
اندهشت كم مر وأنا في ذلك الوضع؟ وكيف لم أنتبه للوقت؟، نظرت الساعة المصلوبة على الحائط فلم تتحرك إلا مقلتاي، رقبتي مـتصلبة تماما، حاولت الحركة فلم أستطع، تجمدت على وضعي.
يا إلهي! منذ متى أصبحت بهذا الشكل؟
صرخت: أنقذوني، ضاع صوتي ولا إجابة.
مرت الدقائق ثقيلة، ولم يدخل الغرفة عليّ مخلوق، استسلمت لليأس أخيرا.
الباب يفتح ؟!، يافرج الله، أخيرا سأجد من يساعدني، دلف إلى الغرفة، آي.. يا… من فضلك: ساعدني.
في قسوة لفني أمام مكتب صغير ثم حشر مقعدته السمينة في حضني، صرخت: آه، يا متوحش، إنك تؤلمني تكاد تخلع يدي، آهرجلي انتبه، بربك ألا تراني؟ آي، يا مغفل، ظهري ظهري، إف ما أفظع رائحتك! منذ متى لم تستحم يا رجل؟ يا إلهي، انهض، ارحمني أرجوك.
وضاع صراخي أدراج الرياح.
ظل يزحف بي، يدوِّرني يمينا ويسارا، يضغط بكل ثقله على جسدي حتى تدلت لهاتي، لم أشعر وهو يفارقني، وكأن فخذاي تعودا ثقله، والتصق بطني في ظهري فلم أعد أستوعب في أي وضع أصبحتُ، كان يوما كئيبا مرهقا استسلمت بعده لسبات عميق.
في الصباح، ارتعدتُ على يده تطيح بي خارجا وهو يصرخ: يا شهاب: إنت يازفت، خذ هذا القرف وأبدله بواحد أكبر، لقد كسَّر عظامي، يداه تعلمان في خاصرتي منذ الأمس، أريد واحدا بلا أيدٍ.
انطلق شهاب بي إلى غرفة مجاورة تشع منها سكينة تغري بالنوم، وعاد للسمين بطلبه.
جلست أترقب حظي، مرت الدقائق كساعات وأنا بين غفوة وإفاقة، يبدو أني سأعود منسيا في الظلمات، أعاني مما سيأتيني به الغبار المتراكم يوما بعد يوم، عليّ إذن أن أتقبل وضعي حتى يأتيني الغد بما يحمل من مفاجآت.
تنبهت من غفوتي، أريج طيب يتسلل إلى أنفي، رفعت جفنيَّ المرتخيين، لمحتها تدلف إلى المنفى الذي أجبرت عليه، رقيقة كوردة، وجهها الطفولي الموشى بمسحة ابتسامه يطالعني، بأناقة جذبتني، بيدين حانيتين عدَّلت وضعي فاستويت أمام المكتب، مسَّدت جسدي بمنديل معطر، بسطت تنورتها ثم جلست كهرة في حضني، يااااه، تمنيت لو أستطيع تحريك يديّ لأضمها، تمطت في دلال ملصقة جسدها البض بجسدي، وكفاها الناعمتان تربت ذراعيَّ، آآآآه يا سلام، ما أشهى عطرك وما أطيب لمستك، ليتني أظل هكذا طوال حياتي، أن يستقر بي الوضع معك في تلك الجنة، ماذا لو تحققت لي تلك الأمنية؟ وقتها سأكون أسعد كرسي في ذلك المبنى الضخم، سأتيه بك على أمثالي، ولن تعود لي حجة ولا شكوى، لكن هيهات، الحياة عودتني على وجهها المتقلب فأنى لي ما تمنيت؟ إيه، علي الرضوخ إذن للواقع والتفاعل مع متغيراته، وما يهم الآن أن واقعي اليوم أجمل من كل التوقعات.