اللوحة: الفنان الإسباني بابلو بيكاسو
أطلقت من صدري زفيرًا كاد يحرق ما أمامي، دونما دعوة قلت: ما أتعس أن تعرف، فالمعرفة شقاء على صاحبها، أصعبها على النفس أن ترفع رأسك للسماء بليلة صيفية رائقة، فترى النجوم تلمع وتنتثر بلوحة سريالية غريبة،ربما تشّدك تلك اللمسة الجمالية التي يبدو عليها الكون، لكن تتذكر أنك بحاضرك الآن وحيثما تقف، ترى الماضي شاخصًا أمام عينيك، تراه وتعايشه، وتصبح مأساة: كيف يجتمعان معًا، الحاضر الآني بالماضي الموغل في القدم؟ هل تُقسم عن يقين أن الماضي ولّى إلى غير رجعة وانقضى؟
فقال ليّ وهو يدفن بقايا سيجارته بمطفأة عاجية زرقاء: نعم لربما ترى الماضي كما تقول، وأنا أؤمن بصدق حديثك، كلنا عايش مثل تجربتك، وتتكرر كل يوم، تراه كفيلم سينمائي، يمر أمام عينيك، يستهلك طاقتك في الرؤية والمتابعة، لكن من المستحيل أن تغيّر منه أو أن تعيد ترتيب أوراقه بصورة مغايرة لما عرفته من قبل، فالفعل ترى الماضي رأي العين، لكن أيضًا من تراهم، يرونك من ماضيهم مستقبلًا مجهولًا يستعصى على الإدراك.
فسألته: بتُ أخشى رؤية النجوم في السماء، فهل أنحني لأنظر تحت قدميّ؟ وأقسم لك أنّي فعلت قبل أيام مَضَت، لكنه أَبَى أن يدعني لحالي،فطاردني الماضي في نومي، فأصبحت أحلامي فناء خلفي يمتلئ عن آخره ببقايا مواقف وأحداث قديمة، تتضافر معًا لتخلق صورًا جديدة.
زادت دقات قلبي، تسارعت أنفاسي بشدة، فتوقفت عن الكلام برهة ثم أكملت:بتُّ أحادث من رحل، أحاوره فيما يجري بيومي، يعبس، ربما يضحك، لكنه في كل الأحوال يجادلني في عودته، أصبحت حقيقة بين نارين، الفقد، العودة المفاجئة غير المرحب بها، كل مرّة أراواغ وأناور في الفرار، كلما نجحت، ينتابني ندم خفيّ وألتفت برأسي للوراء،أحاول أن أسبر غور الضباب الكثيف الذي يحلّ فجأة… فهل بَلَغت أنانيتي حد التجاوز؟
لم أنتظر إجابة عن سؤالي، فأدري أنني منذ أنتصف عمري، أمطر أصحابي بما يُثقل كاهلهم بأسئلة، يرونها غير ذات جدوى، بلا معنى، ينالني منهم مصمصة شفاة، بعض أسى في العيون. لذا فقد نهضت، اعتذرت، تعلّلت بمشاغل كثيرة، بدوره لم يتمسّك بجلوسي معه، وتلك عادته.
حينئذ ودّعته على أمل لقاء قريب، أوليته ظهري، سرت منحنيًا كما أفعل من فترة،شعرت كأنه يرقبني، يتابعني بعينيه الكليلتين كأنما يرغب أن يقول شيئًا، لكنه لم يفعل.التفتُ إليه ثانية لأودّعه، لكن على رغم منّي ألقيت نظرة خاطفة على السماء.