صبحي السلماني
اللوحة: الفنان السوري عادل داود كردي
من قال لكم أن الأحناش نوع من أنواع الأفاعي…. هاه… هيا أخبروني… من قال لكم…؟
آباءكم الذين يأكلون مع الثيران على جرن واحد، أم أمهاتكم اللائي لا يُحسنَّ التعامل إلا مع روث الحمير؟
ولكي لا ندخل معها في سجال نحن من يدفع ثمنه آجلاً، ننكس رؤوسنا ونقابل فورة غضبها بالصمت.
الأحناش التي لا تظهر إلا في الليالي المظلمة مخلوقات تشبه الدببة إلى حد كبير، وإلا كيف يتسنى لهن سرقة الفتيات والذهاب بهن إلى ما وراء التلال حيث الكهوف والاوجار… تقول فضة!
وهذه الفضة كما تقول الحكاية تنحدر من أصول أرمنية، وهي الناجية الوحيدة من مذبحة (مرگدة) قذف بها الخابور إلى أحضان الفرات، وبقدرة قادر حملها الفرات الى قريتنا.
وعلى قدر ماحباها الله من جمال ورقة، لم يجدوا بديلاً عن، (ماناشوك) الذي استقفل عليهم لفظه، افضل من الفضة اسماً يحاكي بهاء طلعتها ويميزها عن نساء القرية.
وعلى رأي المثل الذي يقول: جمال المرأة يغنيها عن النسب، لم يسأل أحد عن أصلها او فصلها، تزوجها أحدهم ولم تمكث معه طويلاً بسبب عدم قدرتها على الانجاب، وتزوج منها آخر وطلقها لنفس السبب، وهكذا أصبحت مشروعاً جاهزاً لكل من يريد أن يُكمل نصف دينه، وحين استنفذت آخر قطرة زيت من فانوس أنوثتها ولم تعد تصلح إلا للملمة الصبية من حولها ورواية القصص، انتبذت لنفسها ولبدعة وسعدة والخمس دجاجات داراً منفردةً على ضفاف النهر من جهة الغرب. ولكي نصل الى دارها صار علينا نحن الصبية، ضبط إيقاع خطواتنا على المروز وتلمس الطريق بين الأشجار المتشابكة اغصانها. ورغم الصعوبات التي تعترض طريقنا والمخاطر، لم نستطع أن نمنع أنفسنا من أن نتكوم فوق رأسها على الأقل مرة واحدة او مرتين في الأسبوع.
بمكان ليس ببعيد عن قن الدجاجات تستقبلنا بدعة ملوحة بذيلها ورافعة خطمها الى فوق لتنبح نباحاً متقطعاً ايذاناً بوصولنا، وحين ندلف إلى الدار، سعدة التي تجثم قرب الباب من جهة اليمين تكف عن التجرر وعلى طريقتها ترحب بنا، وفضة هي الأخرى تسعد ايما سعادة لمقدمنا، تغور عن جبينها كل التجاعيد وتتفتح اسارير وجهها. تهيئ ابريق الشاي قبل أن تستوِي على فراشها، وبعصاها تدفع الروث الجاف، ومن جديد تضرم النار في الموقد.
ذات ليلة تقاطرنا كالقطط إلى دارها، وبعد أن انتهت من سرد قصصها والتي ابطالها من السعالي، تلك المخلوقات التي تعيش في قاع النهر والتي لا تظهر إلا في الليالي المقمرة للرقص على الشاطئ وسرقة الصبية من الدور القريبة والغوص بهم إلى قاع النهر، بعد أن يبصقن في افواههم، ثم تسأل: تعرفون يا أولاد لماذا تبصق في افواههم؟
ولكي تختص لنفسها بالمجد غير المسموح لأحد أن يشاطرها اياه،
قبل أن ننبس ببنت شفة توافينا بالرد: كي يتمكنوا من العيش تحت الماء.
لحظتئذ لم أجد ما يمنعني من السؤال عن السبب الذي يجعل الأحناش لا تظهر إلا في الليالي المظلمة وتقوم بسرقة الفتيات، في حين أن السعالي تظهر في الليالي المقمرة وتقوم بسرقة الصبية؟!
وبدلاً من أن ترد على سؤالي، حملت رغيف الخبز ووقفت على باب الدار وصارت تنادي على كلبتها: أوش… أوش… أوش… بدعة… بدعة… وهذه إشارة واضحة بان الوقت المخصص لنا قد انتهى.
ولأن بدعة التي ترعرعت على سرقة البيض ومعاقرة بنات آوى ليس مثلها من يحسن سياسة الانبطاح والتزلف، كالقطة صارت تموء وتتلوى تحت أقدام سيدتها، قبل أن تخطف رغيف الخبز من يدها.
وما أن برحنا الدار حتى تسربلنا الليل بظلمته الحالكة، انتظمنا واحداً خلف الآخر نحد النظر ونتلمس الطريق، نستقوي ببعضنا ونوسع من خطانا على أمل أن نقطع الطريق الذي يمتد عبر غابة كثيفة من الأشجار بأسرع وقت ممكن، كنا متحفزين ومتوجسين من كل ما من شأنه أن يغتصب خرس الليل، حفيف الأشجار المرتعشة أغصانها، وعوعة بنات آوى. صرير الجنادب… كل شيء… كل شيء… حتى نقيق الضفادع الآتي من السواقي البعيدة صار يستفزنا.
على حين فجأة تناهى إلى مسامعنا وقع أقدام لمخلوق يجري خلفنا، خلنا في البداية انها سعدة، عنزة فضة المدللة، لكن حين أصبحت اكثر قرباً وجدنا أمامنا مخلوقاً انثويا ذا شعر كثيف وأثداء عظيمة، ولأن هذا المخلوق لا يمكن أن يكون إلا سعلية، سقطت قلوبنا في اعماقنا، ووقف شعر رؤوسنا، وصار الموقف يحتاج إلى شجاعة، ومن أين تأتي الشجاعة لصبية ترتجف ركبهم لرؤية فأر؟
ونحن نطلب النجدة ونصيح: سعلية… سعلية… أطلقنا سيقاننا للريح وصار أولنا لا يعرف شيئا عن آخرنا. قبل أن تدركنا الكلاب التي صرنا نسمع نباحها، وقبل أن يهب أهل القرية لنجدتنا، ربما لأنني تخلفت بضع أمتار عن رفقتي كوني لم ابذل مزيداً من الجهد على اعتبار أن تلك المخلوقات لا تظهر إلا في الليالي المقمرة، أمسكت بي السعلية وبين ذراعيها اللتين ينتهيان بأصابع طويلة ويكسوهما الشعر، حملتني إلى النهر وعلى الشاطئ لم تنس أن تبصق في فمي قبل أن تغوص بي إلى القاع.
هناك لم أجد صعوبة في العيش والتأقلم معهم، كانوا ودودين ومسالمين ومتعاونين بشكل لا يوصف.
بعد بضعة سنين تزوجت من التي اختطفتني، وقبل أن يدور الحول تزوجت من اثنتين غيرها، وهكذا استمررت دون أن احتاج الى (فرمان) او تصريح من أحد، لأن المجتمع السعلي بطبيعته مجتمع أنثوي بامتياز كونه يعاني شحة في عدد الذكور!
وعلى الرغم من انني كنت اعيش عيشة الاباطرة ولا ينقصني اي شيء، لكن الديك يموت وعينه على القمامة!
كبيرة السعالي نصحتني بألا اخرج، زوجاتي اللواتي لم أعد اذكر عددهن قلن لا تخرج. لكن، بعد حفنة سنين من التربص والمخاتلة، حنيني إلى اهلي ورفقتي هو ما حملني على الخروج، ويا ليتني لم اخرج، لأن الزمن في قاع النهر ليس كالزمن على اليابسة، هناك تتقادم السنين بشكل مذهل، وهذا يعني أن الخمسين عاماً التي انفقتها في قاع النهر لا تساوي اكثر من خمس ساعات على اليابسة. وحين يممت وجهي صوب دارنا لم أشعر بالحرج كوني مجردا من الثياب لأن الشعر الذي غزا كل بقعة من جسدي قد تكفل بمواراة مَعلم ذكوريتي!
كانت الشمس تتململ للنهوض حين استيقظ والدي فزعاً على نباح الكلاب، وضع يده على عينيه ليتعرف على هوية المخلوق الذي أمامه والذي هو أنا، بقى متسمراً في أرضه وكأن على رأسه الطير، تغيرت تعابير وجهه وظهرت عليه علامات الذهول والفزع قبل أن يسأل عمن أكون، ولاعتقاده بأنني جنّي تمتم بتعويذته الأثيرية اكثر من مرة ثم تراجع إلى الخلف مذعوراً!
ولكي أهدئ من روعه واضع حداً لخوفه قلت: ما بالك يا أبي انا ابنك فلان… أنا فلان الا تعرفني؟!
ماذا؟… ابني؟… هذا مستحيل…أغرب عن وجهي أيها الجني الماكر ابني فلان يرقد في مضجعه!
لم يصدق كلامي، وكيف له أن يصدق، إذ ليس من المعقول أن يكون الابن أكبر من أبيه!
وبدوري لم أصدق كلامه كوني انا ابنه!
لكن حين استيقظت والدتي واستيقظ اخوتي وانا معهم، وصرت انا والصبي الذي هو انا أحدنا ينظر في وجه الآخر ارتبكت كثيراً وكدت أسقط من طولي من أثر الصدمة!
حينها فقط خاب رجائي وفتر حماسي وشعرت بإحباط شديد، وحين وجدت الجيران الذين حضروا مؤخراً قد اختلفوا فيما بينهم بين من يريد قتلي وبين من يريد الإمساك بي وبيعي إلى حديقة الحيوان على حد قولهم، درت وجهي وقفلت راجعاً إلى النهر، على أمل أن تأتي سعلية وتبصق في فمي من جديد، رغم قناعتي بأن السعالي لا تبصق في فم مخلوق آدمي مرتين.
قريباً من النهر أنفقت يومي الأول والثاني متخفياً بين الأشجار والحفر قبل أن أيمم وجهي صوب دار فضة، كانت أكثر تماسكاً وثباتاً… لا، بل أكثر شجاعة من أبي، ورغم تأكيدها لي بأن أحداً من الصبية لم تخطفه السعلية، إلا أنها لم تهم بقتلي ولم تفكر ببيعي لحديقة الحيوان، بل على العكس كانت رحيمة بي ولم تمانع من أن اتردد على دارها بين الحين والآخر، لكن الذي حدث بعد ذلك أن بحة صوتي قد تغيرت، وهزل جسدي كثيراً وتساقط عنه الشعر الذي غزا أكثر أجزاءه، وفي غضون سبعة ايام عدت صبياً كما كنت من قبل وكأنني لم أبلغ الحلم بعد، الأمر الذي شجعها كثيراً لأن تضمني إلى قائمة العائلة مع بدعة وسعدة والخمس دجاجات.