اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار
خمسة وأربعون عامًا مضت كأنها البارحة، لازلت أذكر الواقعة، إذ تمر أمام عيني بنفس اليوم من كل عام، كأن عقلي يأبى أن يئد هذه الذكرى، فيوم السبت ذكرى سيئة في أفئدة الصغار، هو يوم يعقب أجازة الجمعة الدراسية، تُصبح المدرسة أقرب لثكنة عسكرية، وجوه مكفهرة، أصوات غليظة، كأن الساعة قامت ونُصب الميزان.
قبيل الثامنة بقليل، أتت “جليلة”، وهي آخر من ترمّلت من نساء الحيّ، تسحب خلفها طفلها الوحيد”توبة”، تُحكم قبضتها على معصمه النحيل، بينما يتلوّى محاولًا الرجوع، تسبقه دموعه ورجاءات تتبعثر تحت قدميّ أمه، بأن يعود معها للبيت، فتردّ عليه كما كانت تفعل مطلع كل أسبوع دراسي: ياولدي، تقتلني دموعك، لكن مستقبلك يعلو على أي ضعف حيال دموعك، رويدًا ستدرك وتعلم قيمة ما أفعله معك، وما تفعله بنفسك. أذكر أنّي رأيته وقتها وأنا أجاوره سيرًا للوصول لباب المدرسة قبيل رنين الجرس، أجزم أنّي لمحت بعينيه نظرة ميتة لازلت حائرًا في معناها.
بنهاية اليوم عُدنا لبيوتنا، منّا من سرّه الإفلات من العقاب، وقليل حق عليه العذاب، عداه، زميلنا اليتيم “توبة” ذاك الذي مات أبوه قبل ولادته ببضعة أسابيع.
حسبما أشارت الرواية المتداولة بين الخلق: لمّا انزاحت شمس ذلك اليوم للغرب قليلًا، أسرعت “جليلة ” حافية القدمين، حاسرة الرأس، تلطم خديها المكتنزتين، تترجرج في مشيتها، حتى باب المدرسة الحديدي، وجدته موصدًا، خلفه يقبع حارس غليظ الطبع، سَأَلَته عن صغيرها، فأجاب: الجميع ذهب، ثم أعطاها ظهره وراح يجذب أنفاس “الجوزة” بعصبية وغلظة شديدتين.
-أين ولدي؟ أين “توبة”؟
فصم الرجل أذنيه، وأحكم وثاق عباءته الصوفية القديمة حول جسده، ثم علت أصوات “الكركرة”، إجابة على سؤالها.
طالت فترة الغياب، نحل خلالها جسد الأم بشدة حتى أضحى عرجونًا قديمًا، وإن لم تنقطع دموعها عن الجريان. بصبيحة كل “سبت”، تذكر صغيرها، فيعلو نحيبها، تخرج من طيات ثيابها صورة قديمة له، تمطرها قبلات، تُريها للمارة، تستعطف هذا وتستجدي ذلك أن ينظر للصورة، لربما يتذكر أحدهم وليدها، تُهرع قبيل انتصاف اليوم إلى باب المدرسة، تتعلّق به، تطوف حول سور المدرسة، سيرًا ثم هرولة، حتى يجف ريقها، ترأف بها الشمس، فتنحدر للمغيب قبل أوانها، انقضت أعوام، تلتها أخريات، أصبحت بطول الزمن عقودًا.
حتى السبت قبل الماضي، بُعيد الفجر بقليل، وجدتُ من يطأ أرض الشارع.. كهل دون الستين، ينحني ظهره للأمام قليلًا، يضرب المشيب فوديه، انحسر شعر رأسه للخلف، تغضن وجهه، أزعم أنّي عرفته عندما لمحته قادمًا من بعيد، صحت: أنت.. “توبة” الصغير التائه الغائب! عُدت إلينا، اندفعت إليه، لمَّا رفع رأسه، قرأت على وجهه ارهاق السنين والغربة، عرفني بدوره، لكن حال بيني وبين عناقه ذراعه الممتدة بالسلام، أحسستها باردة قلت: لربما من أثر الجفوة لطول سنين البُعاد، أو لبرودة مفاجئة هطلت من السماء في غير موعدها، فلمّا رأيتُ إعراضه تراجعت للوراء، رحّبت به، قصصت على سمعه حكايات كثيرة قصيرة مما جرى بعده، وما حصل لأمه، ثم أمطرته بأسئلة لا نهاية لها، كيف غاب؟ ماذا حدث معه؟ من ساعده على الفرار؟ أو من اختطفه كل تلك السنين؟ أين كنت؟ ماذا تعمل؟ كيف رجعت إلى هنا من جديد؟ وغيرها كثير.
لكنه كان ينظر إليّ وأظنه كان يستمع بشغف لكلامي، تتثاقل أنفاسه حتى ظننت أنه على وشك البوح، لكنه لم يفعل فلما يئست جذبته من يمينه وأسرعت به لباب بيتها، طرقت بيدي. سمعتها من أعماق جُبها تنعي، مرّت دقيقة وصوت خطوها الوئيد يصل لنا ببطء، ألقيت نظرة خاطفة على من بجواري، وجدتُ عينيه غائبة، تخلو من أي معنى.
لمّا خرجت “جليلة” تتوكأ على عصاها، أخرجت لنا من صدرها صورة قديمة مهترئة، مُحيت غالبية تفاصيلها عدا بضعة خطوط سوداء تتقاطع مع أخريات بيضاء، مدّت يدها للغريب وقالت: ولدي “توبة”، غاب من زمن بعيد، هل التقيته؟!
فقلت مواسيًّا: هذا ابنك “توبة”، عاد من غربته، فهنئيًا لك أوبته.. تصلّبت ملامحها، ضاق ما بين عينيها، ثم تقهقرت للخلف، أَوصَدَت الباب بعنف في وجهينا وقالت بحدّة: صغيري ذهب دون التاسعة، لا شأن ليّ بمن عاد الآن.. ثم صاحت بعنف: قل لصاحبك أن يرجع إلى حيث كان. أنا لم أتخلّص من أوثان السنين، اسأل صاحبك إن كان بمقدوره أن يرجع صغيرًا كما تركني، برئيًا كما تاه منّي!
فقلت لها ودمعي أحبسه مرغمًا من هول الموقف، ووحيدها تزيغ عيناه، يُطبق على لسانه موات غريب: يا خالة، قد عاد إليك وحيدك، فافتحي الباب.. لكني لم أسمع غير رجع صوتي، ولم أر غير خيوط عنكبوت كثيفة استقرت بيننا وبينها.