باسم فرات
اللوحة: الفنان التونسي مصطفى الدنڨزلي
هُـنَـاكَ كانَ مَـجْـدِي
في أَزِقَّـتِـهَا نبتَـتْ أحْـلامي
الشمسُ في شُـبَّاكِـنَـا الخشبيِّ
تكتبُ قصيدةً لِـلْـقَـمَـر
الليلُ مُتْـخَـمٌ بالكتُبِ والقصائدِ
الأوراقُ المكدَّسةُ أمامَ بابِ غُـرْفَـتي
ما اقْـتَـرفْــتُــهُ في الْـهَـزيعِ الذي يُنجِبُ فجرًا هَشًّا
أبناؤهُ زَقزقاتٌ تُـرْبِكُ النافذة
مُـؤَذِّنُ جامعِ شاطئِ الفُـرَاتِ
يشُـوبُ صوتَهُ حَـفِـيـفُ سَـعَـفِ النَّخِـيـلِ
ويرتفعُ مع الأَذَانِ
سَـعَفُ النخيلِ الذي تحتَ ظِـلالِهِ
تَـنْـتَـعِـشُ لغاتُ البرتقالِ والـرُّمَّـانِ والكُـمَّـثْـرَى
صوتُـهُ يَـعْـزِفُ على شَـبَابِـيـكِـنَا بِـهَـمْـسٍ
كانَ يَـدْعُـو الـنَّـاسَ لِـلَـمْـسِ فَـرَادِيسِـهِمْ
لم يكُنْ “نجمُ دَوَّاس” مُـلَـفَّـعًا بِـعِـمَّـةٍ ولِـحْـيَـةٍ
كان “شايشِـيًّا” في مقهاهُ على “نَـهْـرِ الحسينية”
حينَ يرفعُ الأذانَ، يتوقَّفُ لاعبو الدومينو والـنَّـرْدِ
عن رَمْي حياتِـهِـمْ في الْـمُـسْـتَـطِـيـلِ الخشبيِّ
تتوقَّفُ مقهاهُ عن الصَّخَب
أمَّا هو فيتلُو الأذانَ ويُـصَـلِّي
ثم يعودُ لِـيُـوَزِّعَ ابتساماتِـهِ مع الشاي و”الحامض”
وحينَ انتصَبَتِ الخرساناتُ الحديديةُ في المدينةِ
ولم تَـعُـدْ “محلةُ بابِ السلالمة”
مَـوْئِـلَ الصَّـبَـايا الْـمُـثْـقَـلاتِ بِـأُنُـوثَـتِـهِـنَّ
العازفاتِ غُـنْـجًا على وَتَـرِ الأَيَّـامِ
اللواتي أخَـذْنَـني إلى حدائقِ الشِّـعْـرِ وهَـرَبْـنَ
يَـمَّـمَ مُـؤَذِّنُ الحيِّ وَجْـهَـهُ نحوَ القِـبْـلةِ
صلَّى وقرأ ما تيسَّــرَ لَهُ مِنَ القُرآنِ،
ثم أذَّنَ في الناسِ ولم يَـنْـزِل منَ الْـمِــئْـذَنَـةِ
قيل إنه صَـعِـدَ عالِـيًا
وقالَ آخَـرُونَ إِنَّـهُـمْ لم يسْـمَـعُـوا أذَانًا
لـكِـنْ
قصيدةَ الوداعِ الأخيرة
لكنَّ ما اتفقوا عليه،
أَنَّـهُـمْ في ذلكَ اليومِ بَـكَـوْا كثيرًا
جَـمَـعُـوا دُمُـوعَـهُـمْ وغَسَّـلُوهُ بِـهَا.
باب السلالمة، محلة باب السلالمة: محلة الشاعر، والمحلة تعني الحي الصغير ولا تكون إلا في المدن القديمة.
جامع شاطئ الفرات: الجامع الذي يقع في محلة باب السلالمة على نهر الحسينية.
نهر الحسينية: قناة تجري من نهر الفرات تسقي مدينة كربلاء وبساتينها
نجم دَوّاس: كان مؤذن جامع شاطئ الفرات، ويملك مقهى لا تبعد سوى خمسين مترًا عن الجامع.
الشايشي: بائع الشاي وصانعه وموزعه على الزبائن
الحامض: شاي الليمون الحامض المجفف.