اللوحة: الفنان الفرنسي جان أندريه ريكسنز
القمر الغائب
لا يعرف حكاية هذا الرجل إلاّ من عاصره مثلي, سار معه كتفًا بكتف, جالسه وأصغى لكلامه.سنوات تقترب من الثمانية,هو شيخ يحمل كل سمات الشيوخ ممن كنت أسمع عنهم, صامت إن رغب في ذلك, ثرثار حتى أحسب أنه إستأثر لنفسه بكل ألسنة البشر.
حينما التقيته لأول مرة وجدته هادئ الطبع,لكن يُصبح بركانًا, يثور حال الغضب, وما أهون تفاصيل الحياة التي تُغضبه!, فينطلق على غير هوادة ليعصف بعلاقات مستقرة مع الناس. راقبته بصمت,رأيت منه ما تعجّبت له ومنه,كل مرة ينطلق في شططه كفوّهة مدفع من عيار ثقيل ثم يهبط كبالون انفثأ, ليستكين كحمل وديع, فيعتذر لهذا ويأسف لذاك.
لكنّي لما اقتربت منه حد الخطر, رأيته كظل يراقص شبحًا يتخايل أمام عينيه, يلاحقه, يسابقه, يندفع بين قدميه, فيتعثّر,فيستند بصعوبة على أقرب حائط أو كرسيّ خشية الوقوع, وهو في عمره الذي يقترب حثيثًا من السبعين, يُدرك أن السقطة لا قيامة بعدها.
ومأساته في اللهاث المستمر للحاق بقُطبه الأكبر منه بسنوات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة, ذاك الذي أصبح حديث الساعة, فهو مثقف من طراز رفيع, لبق الحديث, يملك ناصية اللغة, لم يسلك طريقًا إلاّ وصل لنهايته وحفر لنفسه مسارًا خاصًا به, وفي سعيه لإثبات وجوده, أحيا سُنّة من سبقه من الأقدمين في معاندة الزمن.
وحقق ما لم يحققه أخيه الأصغر, فبات هذا الأخير يسير خلف النجم, يقتفي أثره, وإن لم يقطع طريقًا لآخره أبدًا,فقد تجاهل أن الشمس لا ينبغي لها أن تُدرك القمر,لذا لم يحقق إلاّ فتورًا يعتريه دومًا بمنتصف كل طريق, حتى صار بيننا أميرًا للمنتصف.
ذاك رجل عرفناه,عايشته عن قُرب, ظلّ كوجه القمر الغائب الذي نسمع عنه, ربما يمر بيننا, لكن تمنعنا عنه عتمته الشديدة.
عِتَابُ
هجرت ارتداء ساعات اليد منذ عشرات السنين, وجدتها قيدًا بمعصمي, إذ رأيتها بلا فائدة, فالوقت يمر شئتُ أم أبيتُ, يمضي بيّ بثمن أو بالمجان, هكذا قررت, فنزعت ساعة يدي ومن ساعتها بتُ أرى الزمن عاملًا إضافيًا, أرقبه من كثب ويرقبني هو من بعيد, لا يرأف بيّ وأنا بدوري لا أرجو سماحته وعفوه,علاقة تزيد من توجّسي.
حتى أول أمس, حينما رأيت أمي الراحلة, تُقبل عليّ مبتسمة كما كنت أراها دومًا. اندفعت لُحضنها, أبعدتني برفق ثم لثمت جبيني وقالت وهي تمد يدها بساعة جديدة: خذها ولا تخف.
ارتديتها وأحكمت وثاقها حول معصم يدي اليُسرى,أخبرتها: تعلمين كراهيتي كل ما يقيّد حركتي، حتى لو كان الزمن نفسه, أخبرتك قبل رحيلك الأخير,أن حركات العقارب الرتيبة تثير هواجسي وتفعل بيّ ما عجز عنه الخصوم !
ثم تجاوزت حديثي عن الهدية والتفتُ إليها وقلت بنبرة لوم: لا أذكر أنكِ أتيتِ إليّ, غير مرّة أو اثنتين, رغم أن المسافة بيننا زادت كثيرًا حتى بَلَغَتْ سبعة عشر عاًما بتمامها!, قد أرّقني هذا, بلغ غيظي عنانه حينما سمعت أنكِ زرتِ بعض الأهل والأقارب، تداومين على ذلك كل فترة, فهل هدّيتكِ…
وقبل أن أستطرد قالت وهي تمسح بطرف جلبابها, زجاج الساعة لتزيل عنها بعض الشوائب التي لم ألحظها, تضبط توقيتها بدقة من خبر الوقت ولم يغادر الحياة بعد:لازلتَ تتشبث برعونتك يا صغيري .