الدائرة المسحورة

الدائرة المسحورة

بثينة الدسوقي

اللوحة: الفنان الإسباني خوان ميرو

“اليوم هو الأحد”، جال هذا بذهنه عندما انتبه لنور الشمس الذي ينساب لداخل حجرته، تباطأ كالعادة ثم لملم نفسه الرافضة لفكرة الصحو؛ ودفع الكسل وانتفض واثباً في محاولة لإثبات النشاط.

الحمام في زاوية الحجرة، تفصله عن المائدة المكسورة المستقرة في المنتصف ستارة من بلاستيك كالح اللون، زار الحمام وانتهى منه سريعاً، الرجل لم يأكل شيئاً البارحة حتى تعمل أجهزته في لفظ ما تبقى، لا شيء هناك.

ارتدى ملابسه بلا تردد ولا تفضيل فهي الوحيدة المتاحة، بنطلون من الجينز وقميص قطني، هذب شعره بيديه وهو يفكر في حلاقة تامة نهائية وقاطعة، هذا ما يتردد حياله حقاً فهو ليس واثقاً من تمام استدارة جمجمته.

خرج من حجرته إلى السطح الواسع الذي يمتلئ بالأثاث القديم والأجهزة الكهربائية التالفة وبقايا لعب أطفال وأشياء لا حصر لها، كلها مكدسة بعشوائية فريدة لتسمح للفئران وكائنات أخرى لا يعلمها إلا الله بالوجود الدائم المختبئ.

وقف محاذياً للسور الواطئ واضعاً يديه حول وسطه كالقائد الذي انتهى لتوه من غزو بلدة ما وسحق أهلها، يرمق الشارع والساحة في الأسفل بعين نصف مغمضة تغالب بقايا النوم لكنها زادت اتساعاً حالما رأى شيئاً غريباً، ومختلفاً.

وضع كفّيه على السور وانحنى ليتأكد، ما هذا يا الله؟ دائرة حمراء!

كانت الساحة خالية تماماً واختفت من منتصفها تلك النافورة الخربة التي كانت تعد مَعلماً للحي! اختفت كأنها لم تكن، وتذكر أنها كانت موجودة بالأمس عند عودته فجراً من المَقهى.

دائرة حمراء، ما الذي يعنيه هذا؟ ومن الذي رسمها على الأرض؟ هل أزال أحدهم النافورة ووضع بدلاً منها هذه الدائرة الكبيرة؟ لابد من تفسير منطقي.

يقف الرجل في الدور السابع بل الثامن لأنه ساكن السطح الذي لا يختلف في فقره كثيراً عن ساكني باقي الطوابق، ومن هنا تمكن من رؤية كامل الدائرة ولاحظ أن العابرين لا يضعون قدماً داخلها، بل أنهم يُغيّرون طريقهم ليدورون من حولها وكأنها بقعة من دماء شيطان! 

نزل مهرولاً وقد انشغل باله تماماً بالدائرة حتى أنه نسي إحكام إغلاق حجرته وتذكر وهو على باب البناية، ثم هز رأسه واستأنف طريقه مفكراً بأن كائنات السطح المختلفة من حقها العبث قليلاً بحجرته.

وقف على حافة الدائرة فوجد أنها مطوقة بحافة سوداء خفيفة، وتبدو كأنها من دهان للحوائط، أو بودرة ما،  مد قدمه ليتحسس ذلك اللون القاني بحذائه فصرخ به بعض العابرين، تراجع فجأة ونظر إليهم متسائلاً، فداروا حول البقعة الشاسعة دون أن يمنحونه رداً.

نظر في ساعته وأدرك أن موعد ورديته في العمل قد مضى، فجلس مقرفصاً على حافة الدائرة، قرر أن يهبها يومه حتى يفهم.

عند العصر كان هناك لغط كثير حوله، أناس كثيرون يقفون خارج الدائرة، ويجلسون مثله، يتحدثون كببغاوات استوائية إلى بعضهم البعض وقد طافت علامات الاستفهام فوق الرؤوس، صاح أحدهم أنها فوهة بركان أظهرت نفسها بلون الهلاك قبل أن تنفجر الأرض، فسبه آخر وتساءل لم لا تكون ملعب كرة قدم للجان ظهر للوجود حتى نؤمن بوجودهم، وبنظرة سريعة إلى صدره ستظهر أطراف حجاب تبدو من تحت قميصه، بائس!

وقالت سيدة بهدوء أنها دماء العذارى الأبرياء الذين فقدوا بكارتهم على أيدي الرعاع في الخرابات المجاورة وقد أمطرتها السماء لتطالبنا بالقصاص لهم. وهنا صرخ الشيخ بها قائلاً لها أن تكف، نعتها بالعاهرة، وأردف أن الفتيات لسن بعيدات عن الفحش بل هن سبب الكوارث، وما هذا إلا عقاب السماء الجماعي لأهل الحي! وتصاعد من الخلف صوت أحدهم يتساءل عن النافورة، ويؤكد أن جهاز تجميل الحي لابد أنه قد أزالها وحدد هذه البقعة لتكون شيئاً آخر، ملعباً وردي الأرضية لكن اللون اختلط عليهم. وهنا رد عليه آخر بسُبّة وقال بأنه لا يوجد ملعب مستدير! وقال رجل كهل يرتدي بذلة عجيبة بأن نعم، هو فعل حكومي بلا شك وهذه منطقة محظورة سيُحفر فيها قاعدة صواريخ، واقترح شاب مُخالفاً بأنه سيكون برج اتصالات ولابد أن هناك بنية تحتية مكهربة فوضعوا لوناً أحمر علامة الخطر. علت أصوات كثيرة وكانت في مُجملها تحذر من الخطو داخل الدائرة، فكل التخمينات تحيل الخطو داخلها إلى فكرة تقارب الانتحار.

قام الرجل أخيراً من جلسته ونفض ملابساً متسخة بالفعل، وقد اختلطت في رأسه كل الأصوات، نظر إلى البناية المتشققة التي نزل منها، ورفع رأسه فلم ير حجرته، بل رأى سوراً واطئاً كأنه دعوة مستمرة للانتحار، وهنا خطا داخلاً الدائرة واضعاً يديه حول وسطه؛ كالقائد الذي انتهى لتوه من سحق بلده بأهلها، فسمع الصمت جلياً من كل الواقفين والجالسين والعابرين، وكأنهم اجتمعوا على أن يكون هو كبش الفداء الذي سيفهمون به اللغز، اتفاق جماعي أنجبته الحيرة والخوف، ومضى الرجل في طريقه إلى العمق دون أن يحدث شيء، ودون أن يلتفت، فكما يعرف، ويعرفون، الملتفت أبداً لا يصل.

رأي واحد على “الدائرة المسحورة

  1. دومًا القراءة لكِ بثينة تشبه وقت الراحة بعد عمل شاق.. وتمنّي ألا ينتهي..
    مبدعة كعادتك..

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.