سلوى محمود
اللوحة: الفنان السعودي عبد الله حماس
الليل مأوى المتعبين ..
والحلم مأوى الخائفين ..
حلمانِ لي
قبل الغواية واحدٌ
في مفرق الزمنِ الجميلِ
وليس فيه نجومه وكواكبٌ
بل ليس ثمَّةَ والدٌ
ليقول: “لا تقصص” حقيقةَ ما رأيتَ
على نفوسٍ ظالمة ..!
فالكيدُ آتٍ لا محالةَ
إن أذعتَ السرَّ في سمع الجميع..
ما قلتُ سراً يا أبي ..!
هم إخوتي ..
لكنني من طيبتي
أدخلتُهم في قُدسِ أقداسي
وصلينا سويا..
من خيبتي
أعطيتُهم عمري
فأزهرَ في جوانحِهِم شَذيّا..
ألقَوْه في الجبِّ المخيف
وحطموا حُلما بهيّا ..
من ذا سيمنحني أمانا
من نفوسٍ أينعت غدراً
وقد بلغ الأسى في القلبِ منهم منتهاه؟
أرأيتَهم حين القطيعةِ عندما
ضحكوا من الدمعِ الهَصُور
ممزِّقا في مقلتيا.. ؟
لم يرجعوا حتى إليكَ ليخبروكَ
بأن ذئباً جائعاً أنهى الحياة ..
هم أنشبوا أنيابَهم في الحلمِ
إذ سلبوا ردائي
حاملين الحقدَ في أعماقهم يبدو جليا ..
ألقَوْا إلى الجب المقدسِ كلَّ آمالي
وما تركوا سبيلاً للنجاة ..
أبناؤك الأبرارُ ما حفظوا عهودَكَ يا أبي
لم يحفظوا حقَّ الفتاة ..
***
ما زلتُ في جبٍ عميقٍ من قطيعتهم
وقافلةُ العزيزِ تأخرت
وتحجرت كلُّ القلوبِ الغافلة ..
قلبي تعرَّى بعد دفءٍ
والبرودةُ قاتلة ..
قل لي إذن
من أين ألتمس الندى
ونفوسهم
أمست فيافيَ قاحلة !!
الحلمُ لي ..
والهجرُ لي ..
والغدرُ بي ممن حسبتُ ظلالَهم سَنَداً قويّا !!
حلمانِ في عمري
وهذا منهما قبل الغواية يا أبي
قد مزقوه وأحرقوه بقسوةٍ
لم يرحموا قلبا فتيّا ..
***
ها قد أتت بعد انتظارٍ عيرُ تلك القافلة ..
إذ أرسلوا للبئر واردَهم فأدلى دلوَه
فتَعلَّقَتْ بالدلو روحي الذابلة ..
لم تَدرِ روحي أنَّ بعد خروجِها
بيْعاً بسوقِ نُخاسةٍ
سِجناً ، وما من صاحبَيْ سِجنٍ
أقص عليهما ظُلما عتيّا ..
***
الليل مأوى المتعبين من السفر ..
والحلم مأوى الحائرين الخائفين
العائذين من الضجر ..
حلمانِ لي
حلم التحرر يا أبي
حلمٌ عنيد..
خلفي جيوشُ الوهم تطلب هامتي
فِرعَوْنُهم طاغٍ عتيد ..
أعدو ، وما من مهربٍ
ناديتهم: “يا إخوتي
يا أيها الأسباطُ حبا أدركوني
خبئوني عندكم
في حضنكم آوي إلى ركنٍ شديد ..”
كسروا عصاي وصرتُ وحدي يا أبي ..
ما انشق هذا البحرُ لي
والقلبُ أتعبه دوامُ الركضِ
ما بين المطارات العتيدةِ والعديدةِ
والمدائنِ والمساكنِ
والقلوبِ
وليس منهم يا أبي رجلٌ رشيد ..!!
سرقوا ردائي
ثم باعوا كلَّ أيامي بأسواق العبيد ..
خذلوا فؤادا بات مقهور الأماني والرؤى
وعلى شفا بركانِ بوحٍ قاتلِ القعرِ البعيد..
هل تُنقِذ الأيامُ قلبي
من لظى البوحِ المريد؟
قصرُ العزيز هدمتُه
وبنيتُ كوخا رائعا
جدرانه ورقُ الورود ..
سبعٌ عجافٌ قد تمر
ولن أرى أحداً سيأتي يا أبي
كي يغرسَ الأزهارَ لي
في حقل أحلامي المديدْ ..
هم إخوتي
لكنهم زرعوا المرارةَ في فمي
حصدوا تلال الملح من عيني
فأجدبت الأراضي والعيون ..
حصدوا الدموعْ..
وبضاعتي المزجاةُ قد كَسَدت
وما أوفوا بعمري الكيلَ للقلبِ الحزين ..
قد عشتُ أنتظر المدد..
وما أتى منهم مدد..
فما أتى منهم أحد..
***
يا إخوتي
هذا صواعُ المُلكِ
هيا فاتبعوني ..اذبحوني
أو إذا شئتم برفقٍ أخبروني
كيف أمسى الجبُّ روضا واسعا؟
وقلوبُكم – في ضيقها – سَمَّ الخِياط؟
والسِجنُ قصراً زاهرَ البنيانِ في ذوقٍ رفيع؟
ما زال ذاك القهرُ دوما يستطيع..
أن يجعلَ الولدانَ شِيبا
في مدى الظلمِ الوضيع..
والذئبُ يا عجبي !
علمتُ الذئبَ أرحمَ بالقطيع ..
(يا أيها الأسباطُ خِرُّوا سُجّدا ..
قد صار يوسفُ سيدا ..
وقد اشتراكم .. لن يبيع ..)
وأنا اشتريت ودادكم .. لا
لن أبيع ..
للحبِّ لا للجبِّ ألقوني
سيفرحُ باللقا قلبي الرضيع ..
***
الليل مأوى المتعبين الخائفين الحائرين ..
وأنا تعبتُ -بحق ربي- من قلوبٍ لا تلين..
والآن يوجعني الحنين ..
ما زال يوجعني الحنين ..