أسرار المهنة

أسرار المهنة

صبحي السلماني

اللوحة: الفنان الإنجليزي جون فردريك لويس

في المقهى التي تقع على تخوم المدينة، بين الساحة المخصصة لبيع البهائم ومشارف الصحراء الوسيعة، وهو يرخي أذنيه للرجل الذي انبرى من بين جوقة دلّالين وجزّارين وتجار ماشية، ورجال ترهص على أكف بعضها وتتساوم بطريقة مضحكة، مفصحاً عن حاجته إلى (كرّاش)

(كرّاش)!

رغم الشحة في العروض أو انعدامها، لسبب ما لم يبدِ أحدٌ استعداده لتقبل العرض إلا خليل! 

– أنا أعمل (كرّاشا)! 

– أنت؟ 

وكمن يستعرض فراسته ليروز قدرات المخلوق الذي أمامه، بنظرات فاحصة قرأ خليل من فوق إلى تحت! 

– هل سبق لك أن عملت في (الكراشة)؟ هل لديك فكرة عن هذه المهنة؟

– لا، لكنني بحاجة إلى عمل.. أي عمل.

– أي عمل! لا لا، يجب أن تبحث عن عمل يناسب مؤهلاتك إذا كانت لديك مؤهلات. 

– مؤهلاتي! عن أي مؤهلات تتكلم، لقد أنهيت دراستي الجامعية قبل عقد من الزمن ولم احصل على فرصة عمل تناسب مؤهلاتي. 

– هممم، دراستك الجامعية! 

قالها بطريقة مستفزة ثم أضاف: لو انك تتلمذت على يد أحد الرعاة وعرفت بعض الشيء عن علم (الكراشة) لكان افضل من بقاءك متمترساً خلف شهادتك الجامعية التي لم تجنِ من وراءها إلا الفقر والعوز!

تعاطف البعض مع خليل وانفجر البعض الآخر بالضحك المشفوع بالهمهمات والعبارات الغبية، الأمر الذي أحرج خليل وجعله يشعر بالإذلال والمهانة. 

قبل أن يذهب كلٌ في سبيله، أبت عدالة السماء إلا أن تتدخل وتعيد لخليل شيئا من ماء وجهه. 

 وهو يتمعن ملياً في هيئة الرجل الذي يكاد أن يخرج من ثيابه من أثر النعمة، ويعود بأدراج الذاكرة إلى الوراء:

هو؟ ليس هو! 

لكن، لا… لا، هو بعينه (فاران) الذي لا يُنكر، الطالب الأكثر غباءً من بين جميع الطلبة، والذي اضطره غباؤه أن يودع مقاعد الدراسة في وقت مبكر. 

ولكي يرد الصفعة التي تلقاها بواحدة مثلها أو يزيد: نسيت أن أخبرك يا أستاذ فاران بأننا تلقينا عنها بعض الدروس في المرحلة الابتدائية! 

ارتبك الرجل وأسقط في يده، وفي وضعية من يفكر هرش مؤخرة رأسه وبوّز شفتيه وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يطلب من خليل أن يتبعه إلى السيارة.

عند السيارة التي لا تقل رفاهية عن سيارات كبار المسؤولين ورجال الأعمال، كلمة من هنا وأخرى من هناك استطاعا أن يبعثا الروح من جديد في المعرفة القديمة التي كادت أن تنطمر تحت ركام السنين.

وما أن انتهيا من مراسم التعارف حتى ركبا في السيارة التي تطوي الأرض طياً، وأخذا طريقهما إلى الخيمة الكائنة في عمق الصحراء.

في الطريق لم يجد ما يمنعه من أن يخبر خليل بكل ما يتعلق بطبيعة عمله 

اسمع خليل، أنا أعمل في التهريب، لكن ليس أي تهريب، لا أتعامل بالممنوعات ولا بأي شيء له علاقة بأمن الدولة، أنا أعمل على تهريب الماشية فقط ولا شيء غير الماشية.

– وماذا عن القانون الذي ُيُجرّم التهريب؟ 

– القانون، هه….! 

أين كان القانون حين كنت أخرج من البيت طاوياً؟ 

 لو كان هناك قانون كما تدعي لأنصفك وأنصف الذين هم على شاكلتك… عن أي قانون تتكلم!، حيال الفقر ليس هناك قانون، وحتى لو كان هناك قانون فللضرورة أحكام… الجوع كافر يا صديقي ولا يمكن لأي كائن من كان أن يتحمله. 

وربما لأن خليل كان يدرك بأن هذا النوع من الرجال لا يمكن التأثير على قناعاتهم دفعة واحدة، إذ ليس من المعقول أن يعودوا إلى الفقر طائعين بعد أن صارت النعمة مثل دبيب النمل تسري في اجسادهم، لذا قرر أن يخوض غمار التجربة حتى النهاية ويترك للرجل حرية الحديث. 

والعمل في هذا المجال – والكلام لفاران – يحتاج إلى عاملين كُثر، فهناك (الكراشين) الذين يتولون الإمساك بأطراف الماشية أثناء المسير. 

و(التفاگة) المكلفين بحمايتها. 

و(القلابين) المسؤولين عن سلامتها. 

و(التيابين) الذين يكممون افواهها. 

إضافة إلى محاسب يتبنى عملية استلام وتسليم النقود.

هذا كل شيء. 

وحين استشعر خليل بأن الرجل قد افرغ كل ما في جعبته او كاد، لم يجد ضيراً من أن يسأل عن دور قوات الحدود من كلا البلدين؟

– بالنسبة لقطعاتنا، صارت بمزاج لا يسمح لها أن تلتفت إلى مثل هكذا امور، بعد أن أصبحت وجهاً لوجه مع ما يسمى بقوات التحالف التي جاءت تقرع طبول الحرب من خلف البحار، فالكل منشغل بحفر المواضع وعمل المتاريس والاستعداد للمعركة. وأما عن الدولة المجاورة فحرسهم يعاني من وضع مادي صعب. إضافةً إلى المبلغ المالي الذي ندفعه لبعض النقاط او ما يسمى ب(الفتوح)، هم غير مكترثين لهذا الأمر، كون الخراف تصلهم إلى عقر دارهم وبأسعار زهيده. لكن هذا لا يعني بأن الأمور تمر هكذا بنفس السهولة التي يتصورها البعض، هناك كمائن تنصب لنا الفخاخ، وقطعات يعاد انتشارها بصورة مفاجئة، عدا عن قطاع الطرق والسراق، وفي اية لحظة ممكن أن يحدث صدام مسلح أو احتكاك وتنقلب كل الموازين. 

حتى وصلا كانت الشمس قد شارفت إلى المغيب، وهو يدلف إلى الخيمة المهيبة بأعمدتها الخمس والمرتبة بإهمال شديد لخلوها من العنصر النسوي، ويتفحص في الوجوه المتغضنة والقميئة للرجال الذين خبروا البراري وألفوا النوم في الصحراء، أدرك إنه أمام ورشة عمل وليس مكان معد للإقامة أو السكن. 

وما إن غربت الشمس وجاء الغسق، حتى بدأت شاحنات الحمل ذات الطابقين والمحملة بالخراف تتقاطر من هنا وهناك لتفرغ حمولتها ثم تنصرف.

ولأن العم صالح هو الوحيد الذي ليس لديه أي عمل في تلك الليلة، فقد تكفل بأمره. 

ويقال إن الحبل السري لهذا الصالح قد دفن في حظيرة للتيوس أثناء الولادة، فصار متيما بها حد الوله، يحبها ويعشقها ولا يطيق العيش بلاها. 

التيوس ياولدي – يقول العم صالح – مخلوقات ذكية وذات طرافة ولطافة، البعض يتصور إنها غبية وعدائية وذات مزاج متقلب وفي أية لحظة ممكن أن تشكل خطراً على البني آدميين، وبطبيعة الحال هذا كلام غير صحيح، لأن التيوس شأنها شأن بقية المخلوقات تحتاج إلى من يرعاها ويفهم لغتها ويلبي احتياجاتها.

– وكيف لمخلوق آدمي أن يفهم لغة التيوس إن لم يكن ابوه تيساً وأمه عنزة؟! سأل خليل.

– لا… لا، الأمر ليس كذلك، الأمر يعتمد على الخبرة المكتسبة من خلال المعايشة، وبالمناسبة لغة التيوس لغة بسيطة ومن السهل تعلمها وهي شبيهة بالنوتات الموسيقية وتعتمد على أربعة ركائز وهي: المأمأة والبقبقة والهبهبة والتكتكة، ولكل ركيزة اكثر من إيقاع، ولكي تفهم لغة التيوس يجب أن ترخي أذنيك وتخلص لها السمع كي تميز بين إيقاع وآخر.

ولأن العم صالح لا يكل ولا يمل من الحديث عن التيوس، اعتبر وجود خليل فرصة لا تعوض ليصب في رأسه كل ما يمتلك من معلومات عن تلك المخلوقات الخرافية. ولكي يتأكد بأنه لم يستسلم للكرى بعد، سأل: هل صادفت في حياتك تيساً وهو يبقبق؟ 

– ربما نعم 

– وهل سألت نفسك لماذا يبقبق؟

– أكيد لا 

التيس يا صاحبي لا يبقبق إلا حين يتعلق الأمر بعنزة، فهو يبقبق حين يراود عنزة، ويبقبق ليخبرنا بأنه بحاجة إلى عنزة، ويبقبق إذا ما اقترب تيساً غيره من عنزة… وبطبيعة الحال، لكل بقبقة ايقاعها ومدلولاتها!. 

لم يكف العم صالح عن الكلام ولم يتوقف عن البقبقة، وكان من الممكن أن يستمر عليها حتى الصباح لولا أن خليل المتعب من عناء السفر قد هوى إلى فراشه وصار يغط في نوم عميق.

بعد يومين اكتمل عدد الخراف المتفق عليها، وعند منتصف الليل تم تحميلها وقوفاً في سيارات البيك آب، وبصحبة كل سيارة هناك (قلاب) يهتم بأمرها، 

وانقسم التفاگة إلى مجموعتين، مجموعة في بداية القافلة وأخرى في نهايتها، وهناك سيارات أفردت للكراشين والتيابين الذين لم يأتِ دورهم بعد. ومعهم خليل الذي أسندت إليه مهمة الحسابات بدلاً عن المحاسب القديم الذي تم نقل خدماته إلى قسم (الكراشة). 

انطلقت السيارات التي يستدل سائقيها على الطريق بواسطة النواظير الليلية بدلا عن المصابيح التي يحظر استخدامها. وما أن وصلوا إلى منطقة التجمع الكائنة في منطقة منخفضة والتي لا تبعد عن الساتر الحدودي إلا مسير ساعة واحدة للراجل، حتى تم تفريغها بنفس السرعة والهمة التي حُملت بها لتعود من حيث أتت، وهنا يكون دور القلابين قد انتهى ويأتي دور التيابين المسؤولين عن تكميم أفواه الخراف بالاشرطة اللاصقة، وما أن انتهوا من عملهم حتى جاء دور الكراشين المسؤولين عن إيصال الخراف إلى الحدود على شكل دفعات كل دفعة لا تقل عن مئة خروف، وبين كل دفعة وأخرى فاصل زمني بسيط، ويرافق كل دفعة عدد من التفاگة. 

وأما عن خليل فقد ذهب مع الدفعة الأولى ليتولى عملية الاستلام والتسليم، ولأن العملية برمتها تجري تحت جنح الظلام، والثقة تكاد أن تكون معدومة بين المهربين وبالأخص إذا كانوا من بلدين مختلفين فقد جرت العادة أن لا يعود المحاسب ألا ومعه شخص ضامن من الطرف الآخر يكون بمثابة الرهينة ولا يسمح له بالعودة إلا بعد التأكد من عد النقود وسلامتها. 

على هذا المنوال مرت الأمور لنقلتين متتاليتين. 

في المرة الثالثة وقبل أن ينطلق الرتل بساعة، في الوقت الذي كان فيه الجميع منهمكين بأعمالهم، لاحظ خليل بأن هناك حركة مريبة لبعض الغرباء خارج الخيمة، ونما إلى مسامعه بعض التفاهمات تجري همساً مع فاران، وحين هم بالتدخل نهره العم صالح… وامتثل للأمر. 

 وكالعادة كل أخذ موقعه وانطلقت القافلة، وقبل أن يصلوا إلى منطقة التجمع انطلقت صوبهم نيران كثيفة لكن هذه النيران وحسب ما تشير إليه الإطلاقات المذنبة كانت تحذيرية ولا تستهدف القافلة بشكل مباشر.

وربما لأن التفاگة غير مخولين بالرمي إلا بإشارة من فاران، لم يرد أحداً منهم على مصادر النيران ولو بإطلاقة واحدة. كل الذي حدث أنهم نكصوا راجعين إلى الخيمة وانتظروا ليوم آخر. 

لحظتئذ بدأت الشكوك تساور خليل وصار يربط الأحداث مع بعضها:

ما الذي جعل فاران يلتقي أولئك الغرباء متخفياً تحت جنح الظلام؟ وما معنى إن يكون الرمي باتجاه القافلة عشوائياً ولم يصب أحد بأذى؟ وما معنى أن أحداً من التفاگة لم يرد على مصدر النيران ولو بإطلاقة واحدة….! 

وهو يكوم هذه التساؤلات مرة واحدة فوق رأس العم صالح، الأمر الذي أربك الرجل وجعله يمسح جبينه أكثر من مرة ويتعثر في الكلام، لكنه في نهاية المطاف استطاع أن يحرر لسانه ويتكلم:

اسمع خليل، اقول لك – والكلام بيننا – إن كل الذي جرى من إطلاق نار والكلام عن كمين هو عبارة عن مسرحية أعدّها وأخرجها فاران، ونفذها أولئك الغرباء الذين التقى بهم تحت جنح الظلام. 

– ماذا؟، غير معقول!  وما مصلحته من ذلك؟ 

– هاااا، هنا مربط الفرس، مهنة التهريب كما هو معروف عنها مهنة خطرة وتحتاج إلى قلب متحجر وعين لا تطرف لكنها مربحة، والمهرب شأنه شأن احد تلك الخراف التي تُهَرَب، على قدر ما يتم تسمينه في نهاية المطاف مصيره إلى الجزار… والمهرب، على قدر ما يجني من مال مصيره إلى السجن، لكن في هذا الوقت بالذات ونحن مقبلون على حرب فقد اختلفت الأمور لأن القوات المكلفة بحماية الحدود صارت بمزاج لا يسمح لها أن تهش الذباب عن أنفها. ولكي يوحي لصغار المهربين وضعاف القلوب بأن مهنة التهريب لازالت خطرة ودونها مهالك كثيرة، يقوم بهذه الفعاليات كي يبعدهم عنها ليبقى وحده في الساحة… وقبل أن ينهي كلامه مرة أخرى شدد على خليل بأن الكلام بيننا والمجالس أمانات. 

لحظتئذ أدرك خليل بأن العجوز العتيق لا يفهم في لغة التيوس فحسب، بل أصبح خبيراً في لغة المهربين وتخرصاتهم!

 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.