اللوحة: الفنان الأميركي جيرمي مان
لازلت ضعيفًا أمام البكاء، كجدارٍ أحال إرادته إلى فعل فانقض حتى عانق أديم الأرض، يزداد ضعفي حينما تنساب العَبَرات من أعين قطة “شيرازي” ضلّت طريقها، لست أستغرب أن تبكي القطط بصوت يغلب عليه نحيب!
لقد اضطربتُ حينما استمعتُ لتسجيلٍ صوتي جاءني على غير موعد. أوقفت زر التشغيل وصحتُ في الفراغ: تُرى ما الذي أمات الضحكة على شفتيها؟ مَن ذاك الشقيّ الذي وأد دلال الكلمات في مهدها؟
أعدت الاستماع من جديد، أصغيت لكل كلمة، شهقة، للحشرجة التي غَلَبت على صوتها، حتى نسيت أنّي أنصت لتسجيل، فبادلتها الحديث، أقسمت عليها أن تهدأ، تتوقف قليلًا لتلتقط أنفاسها، بكل حذر أعلنتها أن مصابها من قسوة وغلظة لا تليقان بها، طالبتها من جديد بالتريث؛ أن رفقًا بصحتك يا طفلتي.. لكن زاد أنينها وفاض وجعها عن ذي قبل.
هاتفتها، رجوتها أن تهدأ، تتكلم، أن تفيض في البوح، ففيه تطهير للقلب، تخفيف للحمل، حبل نجاة من عتمة النفس، مازحتها لأخرجها من واديها لكن على غير عادتها عفّت نفسها الطُرفة، فسألتها: ماذا حدث؟
قالت: سأحكي لك، وبالتفصيل، وما دفعني لهذا سوى أنّي أجدني معك، لا أخشى سوء الظن، أنقل لك همّي، ثم أمضي لحالي وأنا أعلم أنني لا أخاف الحديث إليك قدر خوفي من نفسي. كنت أصغي إليها، وأجزم أن مواء قطة حزينة، ينساب بين حروف كلماتها..
تحدّثت إليّ وأفاضت عن حياتها، أبنائها، عشقها لهرّتها، قالت ما علمته عنها من سنين، عمّا لم أعرفه من قبل، عن قيد يلتف حول عنقها، تحدثت عن أب هربت من قسوته لزوج يسومها العذاب بوازع الحب، عن أمن تفتقده، وأمان تسمع عنه كالأساطير، رأيتها شبحًا يتراقص تحت ضوء مصباح تضطرب ذؤابته.
– بغتة سألتني: هل لديك حلًّا لمشكلتي؟
قلت: يظل الحب بين البشر سرًّا مغلقّا خافيًا على المنطق، بعضه سعادة، قليل منه اضطراب نفسي يصحبه حبُ مَرَضي للتملّك. أذكر أن أحدهم قال ليّ من قديم إنه من أربعة وعشرين جزءًا، لكني نسيت أسماءهم، وما أتذكره، أنه حذّرني أن أقع في غرام من يسد عليّ منافذ الهواء ويمنع الضوء أن يتسلل إلى مخدعي، كما نبّه بشدة وهو يلوّح بيده في وجهي: لا تستبدل زنزانة بسجن..
أفقت على واقع مرير، لملمت شتات أمري، عُدت إليها، بكل معاني الحيرة التي أحكمت خناقها حول رقبتي، وقفت عاجزًا عن الفعل أو حتى رد الفعل، صَمَتُ والهاتف بيدي، كطفل تاه عن أمه، لقد أدركت أن مسافة كبيرة بيننا، لكنّي أيقنت أيضًا أنها ما لجأت إليّ إلاّ بعدما آمَنَتْ أن البيت قد ضاق عليها وقطتها، أنه لم يعد لديهما غير الخلاء متسعًا ورحمة.