حيوات لا مرئية

حيوات لا مرئية

عمر شهريار

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار

(1)

فلنتحدث٬ إذن٬ عن الخفة

نعم الخفة

التي هامت على وجهها

في الشوارع والحقول

كمجذوبة عجوز

يقذفها العيال بالعتمة

فتنزف شجنا أبيض.

الخفة

التي قمعها العمق

بشاربه الكث

بعد أن أكلت التجاعيد روحها.

الخفة

التي اعتدت أن تسمعها

من زوجتكَ وابنتكَ

كلما حاولتَ أن تبدو كوميديا

لم تعد كما كانت.

اكتسى شعرها بالأبيض

وتهدل ثدياها

وأنكرها الجميع

حتى أولادها

أودعوها دارًا للمسنين.

اليوم يبكونها

بعد أن وجدوها

معلقة في سقف غرفتها

وفي شعرها وردة

لم تتفتح بعد.

(2)

لا هَمَّ لي الآن

سوى الترويح عن السأم

أحكي له الحواديت

عله يبتسم

ثم آخذه من يده

ونتسكع في الذاكرة

نعبر تواريخ

ونتجاهل أخرى

أذكِّره بأيام مجده

حين كان خفيفا

ويضحك ملء شدقيه

دون اكتراث بالعابرين

فتلمع عينه بدمعة

ويخبئ الأسى

تحت أظافره٬

الأظافر التي كانت يوما

جناحين عملاقين

يضرب بهما الريح

إذا تمادى في غيه

ويعيد المطر التائه

إلى أمه الثكلى.

السأم يا أصدقائي

كان طيبا والله

رأيته كثيرا

يطعم العتمة حتى تضيء

ويهش الأرق

عن عيون يمامة وحيدة.

لكنه الآن هش٬

هش لدرجة مفجعة٬

وفقد ذاكرته٬

يحتاج أن تربتوا على ظهره

الذي تقوس مبكرا

ولا تضحكوا عليه

إذا تبول أمامكم

أو بكى بلا سبب

ليستدر عطفكم

فهو مجرد عجوز تائه

ووحيد

لا يجد من يهش عنه الأرق

أو يعيده إلى أمه.

(3)

الأرق

صديقنا المسالم

يحمل رسائلنا البيضاء

إلى حبيباتنا

ويعود حاملا الشغف

بين جناحيه.

القارئ الأول لقصائدنا

وأحلام يقظتنا٬

ابن القمر٬

اعتاد مرارة القهوة

وصوت فيروز٬

أدمن الوقوف في الشرفات

وعدَّ النجوم٬

يصاحب الحالمين٬

ويؤنس الثوار الخائفين

من هجمات البوليس.

كاتم الأسرار٬

الذي يحفظ عاداتنا الليلية

وطقوسنا الحميمة٬

يتأمل معنا

ابتسامة عالقة بعيوننا

منذ الصباح

أو نظرة وقعنا في فخاخها.

الفارس النبيل

يحوم حولنا

ولا يذهب إلى عشه

حتى تستيقظ العصافير

ليترك قلوبنا في حمايتها.

(4)

ماذا لو علقنا الحب،

من قدميه،

في فرع شجرة عجوز

كطالب خائب

رسب في الامتحان.

الحب،

الذي وضعنا عليه

اﻷمل كله

في تغيير العالم

سقط في الاختبارات كلها

وفقد بصيرته،

أضاع كتاب الشغف

على حافة النهر،

حتى كراسة الحنين

تركها لزملائه الصغار

ليضعوا فيها شخبطاتهم العبثية

كعلامات لا تُمحي.

الحب الذي خَذَلَنا،

تفوقت الحرب عليه

وطارت في المدينة

تتيه بدرجاتها

المكتوبة باﻷحمر القاني،

معلنة أنها وحدها

من سيرفع رأسنا،

أو يقصفها،

في المعارك القادمة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.