الرِّوايةُ.. وعيُ اللحظةِ الراهنةِ 

الرِّوايةُ.. وعيُ اللحظةِ الراهنةِ 

عبد الرقيب الوصابي

إنَّ الروايةَ حسب سعيد بنكراد هي “بناء عالم” في المقامِ الأول؛ إنها بحثٌ عما يقودُ إلى اقتطاعِ جزئيةٍ زمنيةٍ وتضمينها أحداثاً تَخلقُ قِصةً، أي صياغةُ حدودِ عالمٍ معقولٍ يتمتعُ بوحدةٍ وانسجامٍ يألفهُ القارئ الفعليُّ؛ ويقبلهُ المحتملُ التأويليُّ وتُجِيزُهُ الموسوعةُ أيضاً. 

وتعتبرُ الروايةُ – اليومَ – أهمَّ الوسائلِ الأدبيةِ شيوعاً في العصر الحديث، وهي الجنسُ الأدبيُّ الوَحيدُ الذي يُمكِنٍ أن ينافسَ الأفلامَ والمِذياعَ ووسائطِ التواصلِ الاجتماعيِّ من حيث التَّقبّل الشعبيِّ والانتِشارِ. 

ولعلَّ السببَ الرئيسي لمثل هذا التغيير والسعةِ هو أن الروايةَ تمثلُ الجنسَ الأدبيَّ الوحيدَ الذي يلبي احتياجاتِ العالمِ الحديثِ ومتطلباته وهو الجنسُ الأدبيُّ الأقدرُ على احتواءِ اللحظةِ ومُواجهةِ كل الاعتواراتِ الاجتماعيةِ وكلِّ مَظاهرِ القُبحِ وقضايا التَّطَرٍفِ وأنساقِ الهَيمنةِ المَقيتةِ.

كما أنَّ العلمَ الذي يؤدي دوراً جوهرياً في الوقت الحاضر ويشدد على المنهج التحليلي قد أعانَ الروائيَّ كثيراً على اكتساب المزيد من الشعبية لأن المنهج الذي تسلكه الرواية تحليليُّ وسَبرُ للأغوارِ البَعيدةِ كُلَّ البعدِ عن البنيةِ السَّطحيةِ التي لا يكتفي بالوقوفِ عندها سوى الكُسَالَى تأليفاً وقراءةً على حدٍ سواء.

وعلاوةً على ذلكَ، فإنَّ الإنسانَ المعاصرَ الواقعَ تحت تأثير العلم لم يعد مهتماً كثيراً بالتعبير المجازي الذي يميز الشعر وبدأ يميل أكثر إلى الرواية حيث يجد إيضاحاً وشرحاً وافيين في هذا الجنس الأدب؛ ثم إن تطور علم النفس في القرن العشرين جَعلَ النَّاسَ يتطلعون لمعرفة الحافز وراء سلوكهم وشعورهم بالاندهاش فكرياً، حين يعمد أحد الكتاب إلى الكشف عما تفكر به شخصية ما، وهذا امر ممكن في الفن الروائي فحسب.

وبناءً على ما سبقَ وتأكيداً على دورِ الروايةِ في إنضاجِ الوعي الجمعيِّ فإنَّ الإبداعَ الروائيَّ جهدٌ وعناءٌ وبحثٌ في ذاكراتِ النصوصِ السَّابقةِ وتجاوزٌ لها، وأنَّ المواقفَ تصويرٌ لطبائعَ وتعبيرٌ عميقٌ عن حالاتٍ إنسانيةٍ؛ سَيدركُ معها القارئُ أنَّ التصدي كشفٌ لحقائقِ الحياةِ التي تتوارى خَلفَ جُزئياتِ اليوميِّ والمألوفِ والروائيُّ الحقيقي لا “يشاغب” ولا “يشاكس” ولا يَكتبُ “نصوصاً ماكرةً” ولكنهُ يقدم لنا رواياتٍ سيذكرها التاريخُ طويلاً. 

ولقد حَرصتُ في كتابي هذا “سبر الأغوار – في نقدِ الروايةِ اليَمنيةِ الحديثةِ” أن أغوصَ عَميقاً في قراءةِ مَجموعةِ رَواياتٍ يَمنيةٍ تمثلُ نَبضَ المَرحلةِ الحَاليةِ التي يعيشها اليمنُ وأبناؤها في زَمنِ الاحترابِ وانسحاقِ الإنسانِ فلكلِّ مرحلةٍ روايتها كما يقولُ النَّقادُ ؛ورواياتُ المرحلةِ الآنيةِ تتجلى عبرَ فضاءاتِ روايةِ ” بلاد المؤامراتِ السعيدةِ ” للروائي/ وجدي الأهدل وعبر روايةِ “الحقل المحترق” التي صدرت مؤخراً للروائيِّ الشابِ/ ريان الشيباني؛ وقد يلمسها القارئُ عبرَ محمولاتِ وإسقاطاتِ روايةِ “وقش… هجرة الشمس” للروائي/ وليد دماج؛ ولن تَخفتَ تجلياتها كذلكَ في روايةِ “يا مالكاً قلبي” للروائيةِ اليَمنيةِ المقيمةِ في بلادِ المهجرِ/ سهير باعلوي؛ أو لربما تتجلى بِطريقةٍ غرائبيةٍ للانعتاقِ وتَجاوزِ الفَضاءِ الخَانقِ من خلالِ التَّحليقِ المُتَجاوزِ للمُعقولِ في مَسحةٍ عِرفانيةٍ فَلسفيةٍ؛ كما نجدهُ في روايةِ “الواحد” للروائي/ طلال القاسم..

لا أدعي فَضلاً أو إضافةً مَعرفيةٍ في هذا الجهدِ النقديِّ المتواضعِ ولكن حسبي فِيهِ أنني حاولتُ وسأكتفي بِشرفِ المُحاولةِ وعلى أحرِّ من الجَمرِ سأنتظرُ قَارئاً ذَكياً يهدي إليَّ عيوبيَّ..


صدر عن دار «عناوين» للنشر والتوزيع كتاب «سبر الأغوار – مقاربات نقدية في خطاب الرواية اليمنية الحديثة» للكاتب والناقد عبد الكريم مرزاح الوصابي، وسيشارك في معرض الدوحة الدولي للكتاب – ١٣ يناير. ومعرض القاهرة الدولي للكتاب – ٢٦ يناير.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.