الجوائز.. والقيمة الحقيقية للكتابة

الجوائز.. والقيمة الحقيقية للكتابة

محمد عطية محمود

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد شاهين

لا شك أن الجوائز تلعب دورا مؤثرا في المسيرة الإبداعية للكاتب، حيث تأتي سلاحا ذا حدين، من الممكن أن ترفع أسهمه في السماء، أو قد تعدمه كل الفرص التي قد تسنح له لتطوير مشروعه الإبداعي أو الكتابي بصفة عامة، بعد الفوز بها، وكل ذلك متاح على كافة الأصعدة، فالحيازة الإعلامية للكاتب والتهافت على كتابته قد يتضاعف أو قد يحدث من بعد عدم وانطفاء إلى ظهور وانتشار وتحقق بغض النظر عن تلك القيمة الإبداعية والفكرية التي من الممكن أن يضيفها عمله لمنجزه السابق أو التالي أو المنجز العام على خارطة ثقافته المحلية أو ما قد تتخطاه إلى الخارج.. 

ربما عاد كل هذا إلى الآلة الإعلامية والنقدية بأقلامها المتهافتة على الكتابة عن العمل الممنوحة له الجائزة، دون النظر إلى تحققه من معيارية التميز أو المغايرة التي تمنحه هذه الجائزة، متفوقا على نماذج مماثلة من حيث النوع الأدبي الإبداعي أو الفكري، ولكنها قد تفوقه في التقنيات والفنيات ومدى اقترابها من التجديد والدخول في مراحل الفن كإبداع متجدد يستقي مما قبله ويرسخ ذاته، ويرتقي نحو الأفضل والأقوى والأحدث والأكثر تعبيرا عن الواقع، واستشرافا له، وتجاوزا لتلك النظرات الجامدة للواقع والفن معا.. 

ذلك مما يثيره هذه الهجمات الشرسة التي تعبر من جهة أن الفائز بالجائزة يلغي كل ما عداه، وأنه حتما سوف يُنفض غبار الظلم عنه ويُعطى حقه!!.. فأين كانت هذه الأقلام الراصدة قبل فوز هذا العمل بالجائزة؟.. ولماذا لم يُقرأ هذا العمل قبل الجائزة؟.. هل الجائزة هي المعيار؟.. هل الجائزة هي مصباح علاء الدين الجديد للكاتب مكافأة على عمله؟.. هل الجائزة هي بوابة العبور نحو الأضواء، حتى وإن كانت عن عمل قد لا يستحق، بالمعايير والفنيات.. مع الاحتفاظ بحق وجود المسافة البينية بين اختلاف الأذواق والميول، ولكن الفن هو الفن والتجديد والابتداع هو رخصة استمرار هذا الفن في مضمار الوعي.. 

وعلى الجانب الآخر الأكثر سلبية هو مواجهة هذه الجائزة والعمل الحائز عليها بالهجوم وعدم الأحقية والمقارنات العديدة التي تتباين بين القرب الموضوعي وبين الهجوم لمجرد الهجوم، ووضع كل الأسباب التي تشكك في هذا العمل وأحقيته، بل ومدى أحقية صاحبه (المجهول للكثير من تلك الأقلام في هذه الحالة) أو ظهور الميول المناهضة لاسم الكاتب، لأنه ليس منتميا لأي مجموعة من مجموعات الضغط التي ينتمي إليها من يهاجمون ويشنون غاراتهم الملتهبة، ويروجون لها، ولا يعنيهم من يأتي من خارجها، وهو ما يشير إلى سلبية أخرى من سلبيات الجائزة، وما يضعها في بؤرة الشكوك والريب، لتكرار معظم الأسماء وعدم الخروج من فلكها، ومدى قربهم أو بعدهم عن دائرة من يملكون قرار منح الجائزة، وللأسف هم معدودون ومعروفون بالاسم على كافة الدوائر الثقافية، فالمانح قد نال شرف أن يكون ممنوحا من قبل، فضلا عن حالات الإقصاء والانتقاء في آخر اللحظات قبل الإعلان عن الفائز بها، إلا في حالة واحدة، وهي نادرة في الغالب، أن تكون الجهة المانحة محايدة وبعيدة عن تلك المدارات.. 

إلا أن الإشكالية الحقيقية تكمن في سؤال واحد تدور حوله كل الأسئلة: حول القيمة الحقيقية التي تستند عليها الجوائز في إعطاء/ منح/ هبة/ تعويض/ أحقية/ تكريم… أعتقد أنه السؤال الأبدي الذي يجعل قرعه نوعا من البحث عن أساسيات الوجود في فلك الواقع الثقافي بفلسفة البحث عن الحقيقة الغائبة!! فهل تعمل تلك الفلسفة على الخروج من تلك الإشكالية القائمة على التناقض وإثارة الجدل، أم يظل السؤال دائما مطروحا، ومحلا لحالتين متناقضتين من الإعجاب والاستنكار على حد السواء، أو ليظل الناقوس في الرنين دون إجابة؟!


كاتب وناقد مصري

Mohammadattia68@gmail.com

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.