باسم فرات
اللوحة: الفنان العراقي علي رشيد
أســـــرار
خَـطَــوْتُ في مَـتَـاهاتِ الأزِقَّـةِ
خُـطُـوَاتٍ جَـدِيـدَةً
وَجَـدتُ أسْـرارًا في فَـانُـوسٍ مُـهْـمَـلٍ
شُـعْـلَــتُــهُ ذَاوِيَـةٌ
بِـجَـانِـبِـهِ غَـاوٍ
ينفُخُ فيهِ خَـشْـيةَ الانطِـفَاءِ
فقراءُ زَادَتْـهُـمْ خِـرْقَـةُ الـتَّـصَـوُّفِ أَلَـقًا
يُطْـعِـمُـونَ السَّـابِـلَـةَ
ويُعَـطِّـرُونَ الـتَّـارِيـخَ بِـتَـرَاتِـيـلِـهِـمْ
قُـلُـوبُـهُـمْ غَسَـلَـتْ خُطُـوَاتي
أنا الغريبُ في مَـدْفَـنِ سُـرَّتي(١).
إبراهيم الزعفراني
في أعْـوَامِيَ الأُولَى عَـبَـرْتُ الطاقَ(٢) مرارًا
يَـتَـلمَّسُـني رائحةُ النسيمِ ودفءُ الأمَّهات
كنتُ في الرابعةِ من عُـمـري
حينَ استوْقَـفَـني رَجُـلٌ أنَـاخَ على كاهِـلِـهِ دَهْـرٌ
مَسَّـدَ على رَأْسِي وبَـكَى
“كانَ أبوكَ صديقي(٣)
قضَـيْـنَا سَـنَـواتٍ في سجنِ نجيب باشا(٤)
وأنا على حصيرِ الموتِ
قلتُ له: لا تُـفَـرِّطْ في شَـبَابِكَ الطويلِ
كيفَ لم ينْـتَـبِـهْ أَنَّ الجبناءَ فقط
مَن يُطْـلِـقُـونَ النارَ على النِّسَـاء”
بَلَّـلَتْ خُـصْـلةً من شَـعري دُموعُه
وبِـبَـرَاءةٍ وحيرةِ طفلٍ يتيمٍ سألتُهُ:
يا عَـمُّ ما اسْـمُك؟
تبسَّـمَ، وقبلَ أن يضعَ قُبلتَهُ على رأسي
قال:
“إبراهيم الزعفراني”(٥).
(١) من تقاليد العراقيين، دفن سُرة الوليد في مكانٍ ما، مدرسة مثلًا كي يحبها ويرتادها كثيرًا حين يكبر؛ أي يكون مواظبًا على طلب العلم؛ وهكذا. ومدفن السرة يكون قريبًا جدًّا من مسقط الرأس.
(٢) الطاق: طاق الزعفراني في وسط مركز كربلاء لا يبعد عن صحن الإمام الحسين سوى مئات قليلة جدًّا من الأمتار.
(٣) أبي: أكثر الشهداء وسامة، اشتهته طلقة استقرت في كليته، لأنه دافع عن جارته حفظًا وصونًا لكرامتها وشرفها.
(٤) نجيب باشا هو الوالي العثماني الذي قمع انتفاضة الكربلائيين وتسبب بقتل عدد كبير من الأهالي.
(٥) إبراهيم الزعفراني: الثائر الكربلائي على جور العثمانيين وزيادة الضرائب.