محاورات بين الحرية والاغتراب

محاورات بين الحرية والاغتراب

حسن السيد حسن

اللوحة: الفنانة السعودية خديجة الزين

المحاورة الأولى

كُنْ فَوضَويَّاً واتَّبِعني

قسماً بطعم الخمر، 

بامرأةٍ تُبايِعُني إلهاً فوقَ ذاكرةِ التَّمنِّي

لا سيِّداً إلّا أنا

لا سيِّداً إلّا الذي يُدنيك منِّي

كُنْ زئبقياً، واتَّبعني

والآخرة؟

– الآخرة؟

يا سيِّدي.. 

دَعْ عنك ثوبَ الريحِ، 

وَجهَ الغيمِ، 

أرقامَ الخيولِ الخاسرة

واسْلك سَبيلي، لاتَبِع حُلمي بأحلامٍ كسُول

***

يامَنْ يُنَصِّبُ نفسَه مَلِكاً عَلَى وَجَعِ القبيلة

ويُقدِّسُ الوهمَ/ البريق

ويُضيِّع الحلمَ/ الطريق

ويُبَايِعُ الربَّ المحنَّطَ سيداً للحلمِ، يُبحرُ فوقَ طوربيدٍ غَريق

ويُبَاركُ امرأةَ الهَوَانِ أميرةَ الحُلمِ الخجول

ماذا لو ان الطيرَ أَعْيَتْهُ الجناحاتُ الهزيلة؟

ماذا لو ان بَراءةَ الأشعارِ صَادَرَها غَبيُّ، باسم دُستورِ القبيلة؟

يا من يُنَصِّبُ نفسَه مَلِكاً عَلَى وَجَعِ القبيلة

لو أنَّني ضَيَّعتُ مفتاحي لأحضانِ النهار.. 

فهل سَتَمنَحُني بَدِيلَه؟

المحاورة الثانية

هي: مَنْ غرَّبَ القلبَ النبيل؟

مَنْ عَلَّمَ القلبَ الجريءَ، الخوف؟

مَنْ علَّمَ القلبَ البريءَ، الزَّيف؟

مَنْ عَلَّمَ القلبَ المغامرَ، أَنْ يكونَ مُحيَّراً،

ما بينَ زورقهِ وإبحارٍ طويل؟

هو: تتألمين،

 والآهُ أغنيتان:

أُغنيةٌ لوجهِ الشَّمسِ، أُغنيةٌ لأوجاعِ الحقول

تتألمين،

 والآهُ أمنيتان:

 أُمنيَةُ المسَافرِ للذي يَأتي،

وأُمنيةُ الذي مازالَ ينتظرُ الرحيل

تتألمين..

 وأنا أميرُ الصَّمْتِ،

مَعصِيتي سُكوتي، حينَ تَنتظرين مِنِّي أَنْ أقول

وأخافُ أَنْ أُنسَى بمعصِيَتي

وأخافُ لو صَمتي يَطُول

يا أيَّها الوَجَعُ الذي عَلَّمتَ قلبي أَنْ يَكونَ مُحَاذِراً

قلبي غَدَاْ ربَّاً، وعَلَّمَ نبضّه التأويل.

المحاورة الثالثة

هو: مَنْ ذا يُؤَرجِحُني عَلَى وَجَعِ المراكبِ،

وانتحارِ الموجِ عِندَ المُنحَدَر

فالصمتُ ليسَ هُويَّتِي،

لكنه الحذرُ الذي عُلِّمتُه مِمَنْ غَدَر

صَدَّقتُ قلبي مرتين، فباعَني

وعَصَيتُه يوماً

فبَاغَتَنِي و فَرّْ

قُلتُ: انتظر

قالَ: الرحيلُ هُويَتي

والعمرُ: ذاكرةُ الرحيلِ المُستمر

هي: يا شاعري كُنْ أنتَ وافعلْ ما تَشَاء

واصْدَحْ بصَوتِكَ

لا تَمَلَّ مِنَ النِّداء

هو: مَنْ ذا يُصدِّقُ أنَّني بُويِعتُ قدِيساً بريئاً مِثلَ حَبَّاِت المَطَر

صارَ الزمانُ يَسيرُ مُتَّكئاً عَلَى كَتِفي،

كشَيخٍ ضَلَّ عُنوانَ السَّفَر

وغدا الطريقُ يَسيرُ مُتَّحِداً بأحلامي،

ومُنفَتِحاً عَلَى وجهِ القمر

مَنْ ذا يُصَدِّقُ أنَّني

وأنا الذي أبحرتُ عَنْ لُغَتي، إلى لُغةِ الغَجَر

بايَعْتُ قلبي للتي أَلقَتْ ضَفائرَها عَلَى وَجَعي، وقالتْ: لا تَمُرْ

أنتِ الذي يُشتَهى

حُلمُ الرحيلِ البعيد

يا ذروةَ المُنتهى

فُكِّي قيودَ القصيد

هي: يا شَاعري، كُنْ أنتَ وافْعَلْ ما تُريد

وازرعْ حُروفَكَ، رايةَ البعثِ الجديد

هو: يا أروعَ امرأةٍ ويا أحْلَى قَدَر

يا أيُّها الفجرُ المسافرُ مِنْ وَتَر

هل يملكُ الوجعُ المسافرُ في دَمِي

أَنْ يَستَبيحَ لخَطوهِ هذا المَمَر

أن يستحيلَ بَرَاءةً،

ومَحَبَّةً،

وإشَارةً صَوبَ الهلالِ المُنتَظَر

هل يُدركُ الوجعُ المسافرُ في دمي

أن المسافةَ بين قلبينا: قَدَر

يا أيُّها الوجعُ المسافرُ في دَمَي

كُنْ زورقاً وافْرِدْ شِراعَك للسفر.

المحاورة الرابعة

ماذا إذن؟!

أَوَ كُلَّما غنيَّت لامرأةٍ يقولون: الوطن

يا أيُّها الوطن/ الوثَن

أنا لا أُريدُك

لكنَّنِي آمنتُ بالوطنِ/ القصيدة

فإذا شدَوتُ لزهرةٍ

وإذا عشقتُ يمامةً

وإذا فَنِيتُ محبةً

فأنا أُحبُّكَ يا وطن

لكنًّنِي آمنتُ بالوطنِ/ الحياة

آمنتُ بالوطنِ/ الجميع

وكفرتُ بالوطنِ/ الكفن

وكفرتُ بالوطنِ/ القطيع

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.