قرقوشة أذني

قرقوشة أذني

محمد نديم علي

اللوحة: الفنان الصيني بان غونغ كاي

أذني التي تحملت نظارات سميكة لعقود وفترات تاريخية، هي ذاتها مراحل النضال المصري ضد الاحتلال والتبعية والعدوان، أذني التي سمحت بتحمل ذراعين ثقيلين محملين بقرصين من الزجاج السميك؛ كان علي أن أرى العالم من حولي من خلال ذلك البللور السميك. وكان على عيني المتعبتين أن تدقق وتستكشف حروف آلاف الأوراق والقواميس والمراجع؛ بدءًا من الواجب المدرسي على حصيرة غرفة نظيفة، وانتهاء بأبحاث وورش عمل ومؤلفات في شاشة رقمية وعلى مكاتب فخمة، مرورا بليال مرهقة من القراءة الممتعة، وكانت هي فوق (قرقوشة أذني) دون ألم أو مضايقة، تحمل النافذتين البللوريتين الثقيلتين، حتى رزق الله عيني عدسات (أمريكية/ إمبريالية الصنع) دقيقة تسكن فيهما، لأرى العالم أكثر وضوحا وراحة، وهكذا بدأت رحلة التقاعد والراحة ل (قرقوشة أذني) التي ما عادت تحمل سوى نظارة شمسية رقيقة، من حين لآخر.

والذي أدهشني عن قرقوشة أذني الآن، أنها تؤلمني أشد الألم، بمجرد التفاف خيط (الكمامة) التافه من حولها. والغريب بالفعل أنها تصدر (قرقعات مؤلمة) لا تهدأ قبل أن أنزع تلك القماشة الرقيقة والقي بها عنها، فأشعر براحة كبيرة.

سؤال للقرقوشة … أي عداء بينك وبين تلك الكمامة الرقيقة التافهة، وقد سمحت قبلها بمرور العالم عبر تحمُّل نظارتي الثقيلة برضا تام!؟

 

النصاب! كيف يقرؤك؟

النصب مهارة إنسانية قديمة، والنصاب ذكي، يستخدم كل الحيل للسيطرة عليك، ثم يسوقك في الطريق الذي يريد، ثم يسلبك، وبمحض إرادتك المسلوبة، كل عزيز لديك.

فإن رأى فيك مسحة تدين، انتقى من المظاهر والآيات، ما يطمئنك إليه، وإن لمح فيك طمعا، أبرز ما في جعبته وعقله من حيل؛ ليستدرجك إلى مكسب خرافي، قبل أن تقامر فيه بكل ما تملك لتفيق على الوهم، وإن استشف عندك أزمة عاطفية، رق بكلمات الحب والحماية والهيام والصداقة، وإن لاحظ فقرك، دغدغ أحلامك بليالي الشبع والدفء، ونهارات الكساء والستر، وإن عرف عندك غرورا، أرضى غرور نفسك حتى يوردها مهلكها.

وهو في حصاده الأخير منعم، متقلب، لا يرعى للناس في الله ذمة، ولا يحفظ للناس رحما، ولا معارف، ولا جميلا، ولا يرق قلبه لأنات الموجوعين، ولا تتهتز له شعرة ضمير أمام صرخات ضحاياه باعتبارهم أغبياء، فلسان حاله يقول فما ذنبي أنا؟ لقد دعوتكم فاستجبتم لي.

النصاب فيروس، يدخل عقلك ونفسك، يعرفك من داخلك، ومن سقطات لسانك، واندفاع رغباتك، واشتعال نزواتك، واستفزاز شهواتك؛ بل ومن قيمك الفاضلة، واتجاهاتك الدينية أيضا؛ فيستخدمك لصالحه، ويتركك شيئا خاملا هامدا بلا شيء.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.